آخر الأخبار

في رحاب الاختلاف: تأملات في جوهر الإنسانية

شارك المقال على :

في رحاب الاختلاف: تأملات في جوهر
الإنسانية

بقلم: د. محمد أكرم الندوي

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

الاختلاف، أيها القارئ الكريم، من ثوابت الوجود
الإنساني، قديمٌ قدم أول شعورٍ بالوعي، وطبيعيٌّ كنبض القلب، كالتنفس الذي لا نقدر
قدره إلا حين يغيب، لا يمكن لوعيين، مهما اشتدت بينهما المحبة أو عظمت القرابة، أن
يلتقيا في كل ما يظنانه أو يعتقدانه، فالعقول متباينة، والأرواح متنوعة، والتجربة
البشرية تفرش لكل عقل طريقًا خاصًا نحو فهم العالم، والنبوغ ليس في مجرد الاختلاف،
بل في القدرة على العيش معه، على أن نحافظ على صلة الأرواح رغم التباين، وأن نقيم
الجسور بين العقول المتباعدة، لنصنع معًا فضاءً إنسانيًا مشتركًا، واسعًا كسماء
الفكر، عميقًا كبحر التجربة، يضم بين جنباته كل صوت وكل رأي وكل اختلاف.

وأخطر الانزلاقات التي تُفضي بالإنسان إلى ظلماتٍ عميقة،
هي أن يحوّل ما يراه تفضيلًا شخصيًا إلى سلطة، أو إلى قوة يفرضها على الآخرين. كم
من خطوة صغيرة انطلقت من “هذا ما أعتقد”، وانتهت بالإصرار على:
“هذا ما يجب أن تعتقده”! خطوة تكاد لا تُرى في بدايتها، لكنها تفتح باب
الظلال، حيث يُنظر إلى الآخر ليس كشريك في الفكر، بل كحاجزٍ يجب تجاوزه، أو كشيءٍ
يجب تغييره. فتتصلب المسافة بيننا، فما كان حديثًا صادقًا يصبح حصارًا صامتًا، وما
كان لقاءًا فكريًا يتحول إلى مواجهة بلا هوادة، ويختفي دفء الحوار بين جدران
الصرامة والجبروت.

وما أسمى تلك اللحظة حين نعلن: “نتفق على
الاختلاف”. إنها إيماءة نبلٍ قل نظيرها، إعلان أن اختلافنا ليس جرحًا ولا
هزيمة، بل حالة يمكن أن نحياها معًا بلا خوف.

إن العالم رحب، إنه أكبر من أن يشغله رأي واحد، وتحت هذه
العبارة البسيطة يكمن فهم عميق للوجود: أن عقول الآخرين المختلفة قادرة على إضافة
ألوان لم نكن ندركها، وأن ثراء حياتنا لا يكمن في توحيد الآراء، بل في تعدد وجهات
النظر، وفي الحوار الذي يصقل العقول ويبهج الأرواح، ويجعل من الاختلاف نورًا يضيء
الغرف المظلمة لفهم الإنسان والعالم.

ولكن، يا أخي، حين يُعاد تصوير الاختلاف كعصيان، وحين
يُنظر إليه كتهديد، تتغير الأرضية الأخلاقية، ويتحول الإقناع إلى إكراه، والفضول
إلى شك، والمساحة المشتركة التي تتلاقى فيها الأصوات إلى سجنٍ ضيق يحكمه الخوف.

وأصل هذا الانحراف ليس في الاختلاف نفسه، بل في ارتجاف
النفس، وفي عجزها عن السماح لقناعاتها بأن تتعايش مع قناعات الآخرين دون المطالبة
بالتفوق. وكأن وجود رأي مخالف يُعد تهديدًا للوجود، والطريقة الوحيدة لتهدئة هذا
القلق هي إسكات الآخر، فتصبح الكلمات قيودًا، والأفكار مسجونة، والحياة المشتركة
صحراء خالية من النسيم.

ولهذا، فإن الإصرار على الإجماع غالبًا ما يتحول إلى عنف
متنوع: عنف عاطفي، وعنف خطابي، وعنف مؤسسي. حين نرفض السماح للآخر بأن يحمل رأيًا
مخالفًا، نسلبه مكانه في العالم. قد يبقى في الجسد، لكن صوته ممنوع من الوجود في
فضاء الحوار المشترك. يصبح شبحًا، موجودًا فقط بشروط صمته، كظل يترنح على جدران
غرفة بلا نور، بين الوجود والغياب، بين الكلام والصمت.

وتتجلى هذه الظاهرة، رغم وضوحها في السياسة العامة، بنفس
القدر في الحياة اليومية والفضاءات الحميمة، في العلاقات الشخصية، يؤدي رفض
الاختلاف تدريجيًا إلى إفراغ الرابطة من محتواها. يذعن أحدهما حتى لا يصبح إلا صدى
ضعيفًا لنفسه، بينما يضفي الآخر على نفسه وهم الصواب المطلق. الغرفة التي كانا
يقفان فيها معًا تضيق بالحقيقة غير المنطوقة، ويصبح الهواء رقيقًا، خافتًا، كما لو
أن وجودهما لم يعد ممكنًا إلا في صمت مرهق. العلاقة لا تنتهي بانفجار، بل بانعدام
هادئ ممتد، كظل يختفي تدريجيًا في ضوء النهار، تاركًا خلفه فراغًا صامتًا، وحنينًا
لم يُعبر عنه.

وفي المجال العام، تتضاعف الآثار. حين تُطرد المعارضة،
تفقد المجتمعات القدرة على التفكير الجماعي. دون اختلاف، لا تصقل الأفكار بعضها
ببعض، ودون نقد، تتضاعف الأخطاء بلا رادع. الثقافة التي تفرض الامتثال الفكري
بالقانون أو بالضغط الاجتماعي أو بالغضب الأخلاقي، تبني صرحًا هشًا، بديعًا ربما
في انتظامه، لكنه هش في جوهره، والتاريخ يزخر بالبنايات التي تنهار تحت ثقل يقينها
الذاتي، كقلاعٍ من زجاج تتساقط على وقع أصغر هبة ريح.

والدواء، يا أخي، ليس في اجتناب الاختلاف، بل في صقل روح
تتسع لحمله بلا وجل، وذلك يتطلب اتساع النفس وقدرة على السماح لصوت الآخر بالوجود،
حتى وإن اهتزت قناعاتنا، ويحتاج إلى تواضع ممتد، ليس من نوع الخضوع المذل، بل
تواضع الاعتراف بأن أي عقل منفرد لا يملك الحقيقة بأسرها. هذا التواضع ليس
نقصانًا، بل اتساعًا يوسع العالم حين نعترف بأن بعضنا بحاجة إلى بعض لنفهمه حق
فهم، وأن الوحدة في التفكير ليست وحدة حقيقية، بل تزييف للواقع الذي يزخر بالتنوع،
وللوجود الذي يزخر بالاختلاف.

إن التعايش مع الاختلاف يعني أن نحمل في أنفسنا سخاء
الروح، والقدرة على التصريح بأن: “اختلافك لا يقلل من شأني”، وأن نحافظ
على ولائنا لقناعاتنا دون أن نطالب بتبنيها عالميًا، وأن نعتز بالفضاء المشترك
للحوار كشيء مقدس، هش، سهل التلف، لكنه جوهري للحياة التي نصنعها معًا، حياة تتسع
لكل عقل، ولكل صوت، ولكل اختلاف جماله وحقه في الوجود.

وفي النهاية، فإن طريقة تعاملنا مع الاختلاف هي مقياس
إنسانيتنا. عندما نسمح للآخر بالاختلاف، نؤكد كرامته وقدرتنا على التعايش. وعندما
نطالب بصمته، نقلل العالم وأنفسنا معه. إن الاتفاق على الاختلاف ليس تراجعًا، بل
التزامًا عميقًا بالمهمة المستمرة والمتعددة واللا منتهية للعيش معًا في هذا
العالم الكبير، حيث لكل عقل مكان، ولكل صوت صدى، ولكل اختلاف جماله وحقه في
الحياة.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان