سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة
(الحلقة الخامسة)
بقلم: التهامي مجوري
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة الحلقة الأولى
* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة الحلقة الثانية
* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة الحلقة الثالثة
* سورة الكهف في خريطةميلاد الأمة الحلقة الرابعة
إمكانية عودة الأمة
مع هذه
التحولات التي يشهدها العالم اليوم، يمكن للأمة الإسلامية أن تعود بقوة، بفضل ما
تتمتع به من قيم عقدية ثقافية اجتماعية جامعة ومتميزة.
فشعوب
العالم الإسلامي تتشابه في الكثير من العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية
المتوارثة، إضافة إلى الوحدة الدينية، التي تجمعهم في الصلاة بالتوجه إلى قبلة
واحدة، وفي الصوم شهرا واحد مع بعضها البعض في العام، وتفرح بعيدين في كل العام،
ويحج أبناؤها ويلتقون في أيام واحدة في الحج إلى بيت الله الحرام، بل يلتقون
جميعهم في يوم واحد في عرفات في يوم الحج الأكبر.
وكلامنا
عن إمكانية هذه العودة، ليس لذات الحدث؛ إنما لكون عوة الأمة، عودة لاستئناف دورة
حضارية، والقيام بواجبها تجاه البشرية، وهي مؤهلة لذلك بفضل ما /تتميز به من قيم
فقدها العالم الذي نعتقد أن دورته الحضارية قد انتهت بانتهاء مبررات استمراره،
وليس مجرد أمنية أو عاطفة نحنُّ إليها بعد طول غياب.
إن
العالم اليوم يعيش نهاية دورة حضارية كما أشار إلى ذلك الأخ وضاح خنفر في تحليلاته
للتحولات الدولية التي يشهدها العالم الآن [2025]، فعندما يكون الكلام عن نهاية
دورة حضارية، فإن في الأفق حضارة أخرى تنتظر لتستلم مشعل قيادة العالم، وهذه
الحضارة التي ستتسلم قيادة العام، توقعها صاحب “صراع الحضارات” منذ أكثر
من ربع قرن، في الحضارة الإسلامية وحضارة الصين، وذلك منذ نهاية الحرب الباردة
بسقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي 1988/1991 ، على اعتبار أن هاتين
القوتين هما المؤهلتان لمنافسة منظومة الغرب التي تحكم العالم منذ ثلاثة قرون…
وإذا كان ترشيح الصين باعتبارها القوة الاقتصادية البديلة للغرب بشقيه الأوروربي
والأمريكي، فإن المرشح على المستوى الثقافي الفكري القيمي هو الإسلام بما يحمل من
قيم متميزة قادرة التناغم ومتطلبات الحاجة الإنسانية وتطلعها للخلود.
ورغم أن
العالم اليوم يسير في اتجاه تعدد الأقطاب كما يرى المفكر الروسي “الكسندر
دوغين”، فإن مرد هذا التعدد إلى وحدة القيم الحضارية الإنسانية، وهي ما تميز
به الفكر الإسلامي، الذي يمثل البوصلة للتوجه الإنساني بأبعادها الحضارية وهي من
ثم القيم المرشحة لملْإ الفراغ الذي يعيشه الإنسان اليوم في العالم، ولعل بشارة
النبي محمد صلى الله عليه وسلم بقوله “تكونُ
النُّبُوَّةُ فيكم ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ – تعالى -، ثم
تكونُ خلافةٌ على مِنهاجِ النُّبُوَّةِ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها
اللهُ – تعالى -، ثم تكونُ مُلْكًا عاضًّا، فتكونُ ما شاء اللهُ أن
تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ – تعالى -، ثم تكونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً
فيكونُ ما شاء اللهُ أن يكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ – تعالى -، ثم تكونُ خلافةً
على مِنهاجِ نُبُوَّةٍ. ثم سكت…“[1].
وهذا
الحديث من الشواهد التاريخية السننية على عودة الأمة من جديد، مثلما التحذير من اختفائها بحديث القصعة المعروف “«يوشك
الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: من قلة نحن يومئذ؟
قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم
المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب
الدنيا، وكراهية الموت”[2]، وذلك ليس كحتمية تاريخية
مفروضة الوقوع، وإنما كسنن جارية على المجتمعات، لها مقدمات ممهدة لها سلبا
وإيجابا، وإخبارا نبويا عن طبيعة التحولات التي تمر بالإنسان بقاء وزوالا، وفق ما
يوفر من أفعال وأقوال ترشحه للبقاء أو الزوال.
فالأمة
ضعفت حتى بلغت مستوى الغثائية، الذي حذر منه النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وها
هي اليوم تدعى لأن تأخذ مكانها من الخريطة الدولية مثلما دعيت من قبل واحتلت
موقعها اللائق بها (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى
الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ
وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل
عمران 104]، (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ) [آل عمران
110].
والمقصود
من هاتين الآيتين “أن تكون فرقة من الأمة متصدية
لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم
عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع
فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان“[3]، وهذه الخيرية التي اصطفى
الله على أساسها الأمة، مرتبطة ارتباطا وثيقا بعملية التصدي هذه، المتمثلة في
الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله.
وذلك
بالتفاعل الإيجابي مع هذه التحولات التي يشهدها العالم؛ بل وتدعى إلى ذلك بإلحاح،
ولعل من أبرز هذه الدعوات التي تظهر في شكل صور من الإعلانات المتتالية عن إفلاس
الغرب وهزيمته في تجربته الحداثية، حيث عجز الغرب عن تحقيق التجاوب المطلوب في
علاقة الإنسان بالعالم، الذي يحيط به تأثيرا وتأثرا، والغيب الذي لا يعلم عنه
شيئا، لن منظومته الفكرية لم تسمح له بذلك؛ بل إن خبرته الصراعية التي تبناها
الغرب في تجربته الطويلة، لم تسمح له إلا بتعميق الهوة بينه وبين حقائق الوجود،
وذلك لا يمكن العبير عنه وعن فضائله إلا بواسطة الوحي الذي أنزله الله هداية
للبشرية جمعاء، وهو بوصلة الأمة الإسلامية دون غيرها من الأمم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
[1]– أخرجه أحمد والبيهقي وغيرهما عن النعمان بن بشير،
[2]– أخرجه أبو داود، عن ثوبان، جامع الأصول رقم 7481
[3]– تفسير ابن كثير