مكرُ إبليس.. معركةٌ لا تهدأ
بقلم: ياسين محمد أمين الكبيسي
داعية إسلامي
منذ
اللحظة التي طُرد فيها إبليس من رحمة الله، أعلن حربًا مفتوحة على الإنسان، حربًا
لا تعرف هدنة ولا رحمة. فقال تعالى على لسانه: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ
أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: 39-40]،
وتوعد قائلاً: ﴿ثُمَّ
لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ
وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 17]،
إنها معركة قديمة بقدم الخلق، طرفها عدوٌّ خَبِرَ النفس الإنسانية وعرف منافذها،
وعقد العزم على إضلالها بكل سبيل.
غير
أن إبليس لا يأتيك سافر الوجه، ولا يأمرك بالكفر دفعة واحدة، فهو يعلم أن من يواجه
الإيمان جهارًا يُهزم سريعًا، فيتسلل بخُطى ناعمة، ووساوس متدرجة، يفتح لك بابًا
صغيرًا حتى يجرّك إلى أبواب أكبر، تلك هي حيلته الكبرى: الدرجات نحو الهاوية.
فخذ
مثلاً الصلاة والتي عمود الدين وروح القلب، لا يقول لك إبليس: “إتركها”،
بل يبدأ بخطوة خفية؛ يشككك في وضوئك مرة، ويشغلك بعجلةٍ أخرى، ثم يهمس في أذنك: “ليس
في الأمر بأس إن أخّرت السنة قليلًا”، فتتهاون، ثم تُهمِل ثم تترك، وهكذا
ينهار السور الأول بينك وبين الله، سور السنن، ذلك السور الذي كان يقيك من برد
الغفلة وريح الشهوة.
وبعد
أن تهدم أول جدار، يوجهك إلى الفريضة نفسها، إلى الفجر والعشاء، “أثقل
الصلوات على المنافقين” كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فيسهر بك ليلًا
على لهوٍ أو شاشةٍ أو حديثٍ فارغ حتى تثقل عيناك في ساعة اللقاء، فإذا فاتتك
الصلاة يوماً تألمت، وفي اليوم الثاني بررت لنفسك، وفي الثالث أصبح الأمر عاديًا، وهنا
يكون إبليس قد نجح في إقناعك بأن التأخير لا يضر وأن النية تكفي حتى تصحو بعد شروق
الشمس وتظن أنك ما زلت على خير بينما الجدار الثاني قد سقط.
ثم
يقودك خطوة أخرى، فإذا بالقلب الذي اعتاد ترك الصلاة يبرد ويُقسو وتغزوه ألحان
الغناء وصور اللهو، وتلك اللحظة هي أخطر مراحل الانحدار لأن القلوب التي تأنس
بالباطل لا تنكر المنكر، بل تتعايش معه حتى يصبح جزءًا من يومها. وقد قال ابن
القيم في الدواء والداء: “إن حب الصور من أعظم المهلكات”، إنها صور
تُخزّن في الذاكرة حتى تسرق الخشوع من السجود، وتُطفئ نور الخشية من العين، فيسجد
المرء لله وفي ذهنه ظلّ المعصية والعياذ بالله.
ويستمر
إبليس في مكره، يهدم الأسوار واحدًا تلو الآخر، حتى يجد الإنسان نفسه غارقًا في
الغفلة وهو لا يدري متى بدأ السقوط، فكل دركة من دركاته تبدأ بخطوةٍ صغيرة ظنّها
العبد هينة ثم صارت عادةً ثم قيودًا تُكبّله عن العودة.
وقد
يُقال: إن ترك السنن لا يُحاسب عليه العبد. نعم، لكنه يُحرم من تجلّيات وفيوضات
ولذة المناجاة، وهل نحن أغنياء عن الثواب؟ أليس في كل سجدةٍ نافلةٍ نجاةٌ من بلاءٍ
قادم؟ أليس في ركعتي الضحى رزقٌ وطمأنينة؟ إن من يزهد في السنن، يزهد في مفاتيح
الرحمة التي يُفتح بها باب القرب من الله.
وإذا
تهاون العبد في السنن سهل عليه ترك الفروض، فإذا انهارت الفروض انهار الإيمان
العملي، فيغدو القلب سهل الاختراق، والعقل قابلًا للتبرير، والنفس مطمئنة إلى
الخطيئة، وهنا فقط يضحك إبليس ضحكته الخبيثة، وقد حقق مراده دون أن يرفع سيفًا أو
يرفع صوتًا.
ومع
ذلك، فإن باب الله لا يُغلق أبدًا، ما دام في الصدر نفس يتردد، فهناك فرصة للبناء
من جديد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين
التوابون)، وإن التوبة ليست كلمة، بل إعادة تشييد للسور المنهدم، وبناء جديد
للأسوار التي حطمها الإهمال والهوى، وتبدأ بعودةٍ إلى الوضوء بخشوع، ثم صلاةٍ في
أول وقتها، ثم نافلةٍ بين فرضين، حتى يعود القلب إلى دفئه الأول.
قال
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “إن في الدنيا جنةً من لم يدخلها، لم يدخل
جنة الآخرة”، وتلك الجنة هي جنة القرب من الله، حيث الطمأنينة والرضا، وقد
يقول قائل: لا راحة في الدنيا، لكن المؤمن يدرك أن الراحة ليست في الغنى ولا في
الجاه، بل في سجدةٍ صادقة، في دمعةٍ خفية في شعور أنك قريب من خالقك، فإذا وجدت
الراحة في الطاعة فاعلم أنك في الطريق إلى جنة الآخرة، وإن شعرت بثقل العبادة،
فاعلم أن هناك ثغرة دخل منها إبليس، فأغلقها سريعًا قبل أن تتسع.
إن
معركتنا مع إبليس ليست عسكرية ولا مادية، بل معركة تربيةٍ وإرادةٍ وإيمان، ولذلك
علينا أن نُعلِّم أبناءنا كيف يبدأ خطر مكر الشيطان، وأن نحذرهم من خطواته الخفية،
فجيل يعرف عدوه منذ الصغر هو جيلٌ يصعب على إبليس أن يخدعه لأنه يرى الفخ قبل أن
يخطو نحوه.
ويا
من أضعتَ بعض السور، لا تيأس وابنِها من جديد، وبادر وابدأ بسنّةٍ أو بذكرٍ في
الصباح أو بقراءة آيةٍ قبل النوم أو بصدقةٍ خفية، فالإيمان يُزرع كما تُزرع
الشجرة: بذرة صغيرة تنبت مع الأيام لتصبح ظلًا وطمأنينة، وهكذا تعود الروح إلى
صفائها، والنفس إلى سكينتها، والعبد إلى ربه، فيفشل مكر إبليس الذي طالما توعّدنا
به منذ الأزل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
-150x150.jpg)