آخر الأخبار

من الإسراء إلى طوفان الأقصى: فلسطينُ مركزُ المعنى والامتحان

شارك المقال على :

بسم الله الرحمن الرحيم

من الإسراء إلى
طوفان الأقصى: فلسطينُ مركزُ المعنى والامتحان

بقلم: د. أحمد
زقاقي

عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين

 

تتجدد
الذكريات لتتجدد العزمات، وتشحذ الهمم وتبنى الإرادات، وذكرى الإسراء والمعراج
ليست ككل الذكريات، فبقدر ارتباطها بتاريخ المسلمين الماضي، فهي تمتزج وتختلط
بحاضرهم ومستقبلهم، وهذا المزج بين الماضي والحاضر والمستقبل بينته أوفى بيان
الآيات الأولى من سورة الإسراء التي خلدت ذكرى الإسراء والمعراج، مُشِيدة بالأرض
التي باركها الله، حيث المسجد الأقصى الذي عُرج منه بنبينا محمد عليه الصلاة
والسلام إلى السماوات العلى: ﴿سُبۡحَـٰنَ ٱلَّذِیۤ
أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَیۡلࣰا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ
ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِی بَـٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِیَهُۥ مِنۡ ءَایَـٰتِنَاۤ
إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡبَصِیرُ﴾
[الإسراء ١]، وهذا من قبيل إطلاق
الجزء على الكل، فالجزء هو المسجد الأقصى، والكل هو فلسطين.

الإسراء: الذكرى والذاكرة

إن المسجد الأقصى في الوعي
القرآني ليس مجرد “تفصيل جغرافيً”، وإنما هو منبع “بركة”، ومسار
“رسالة”، ومتنزل “آيات”، ومنتدى “أنبياء” اجتمعوا
فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخريطة عبادة باعتباره أحد المساجد الثلاثة
التي تُشد إليها الرحال، وفي هذا دلالة على:

أن القضية
الفلسطينية تتصل بواحد من “مراكز الرمزية التعبدية” في الإسلام، لا بمجرد “أرض
نزاع”.

أن الدعوة
تتصل بالأرض إسراء، وبالسماء معراجا حيث فرضت الصلاة شعيرة تعبدية وشعارا للإسلام
وطاعة للرحمان.

يستتبع
هذا أن يتشكل وعيٌ إسلامي يرى أن حراسة المعنى (الصلاة/التوحيد/الرسالة) تتجاور معنى
حراسة المكان (الأقصى/القدس) بوصفهما وعاءين لمعنى واحد
.

بتفاعل
النص والتاريخ والوعي والعبادة تصنع ذاكرة حضارية تجعل فلسطين حاضرة في الدين
(نصًا) وفي التاريخ (وقائع) وفي الوجدان (عبادة)، وبالتالي فإن الصراع عليها لا
يُقرأ فقط كسياسة، بل أيضًا    كـصراع على المعنى والهوية، وكموضع امتحان
تاريخي وتدافع
.

– الامتحان التاريخي والتدافع يقتضيان
استحضار الإسراء في سياق فلسطين من خلال “لغة سننية”: لا تيهٌ بلا سبب،
ولا تمكينٌ بلا شروط، ولا نصرٌ بلا صبرٍ وعدلٍ وإصلاح.

وحيث
السياق هو سياق ملحمة “طوفان الأقصى” الذي فضح الوحشية الصهيونية، وما
ترتب عن ذلك من ألم للفلسطينيين الذين حولوه إلى تكليف منضبط (المقاومة) وهم قبل
غيرهم يعلمون أن الإسراء جاء في سياق شدة (عام الحزن وجراحات الطائف)
.

عمارة
المسجد الأقصى

قال
تعالى: ﴿إِنَّمَا یَعۡمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ
ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى
ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ یَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰۤ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَن
یَكُونُوا۟ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِینَ﴾
[التوبة: ١٨]، والمسجد الأقصى من مساجد
الله المأمور بعمارتها، ولا يكون ذلك إلا بالتحرير والتنوير والتعمير، تحرير بعد
احتلال، وتنوير بعد ظلام، وتعمير بعد تخريب وتدنيس، وصنوف أخرى من العمارة ننبه
على بعضها:

       عمارة معرفية: تفكرات دائمة في سورة الإسراء ومعاني
بركاتها وآياتها وابتلاءاتها

       عمارة سردية: تفكك التضليل والدعاية والتزييف
الصهيوني.

       عمارة تضامنية: تغيث المنكوبين، وتسند المقاومين،
وتلبي حاجات المحتاجين

       لقد حول حدث “الإسراء والمعراج” لحظات
الانسداد (عام الحزن) في تاريخ الدعوة والسيرة النبوية إلى الانخراط الواعي تحت
عين الله لخدمة المشروع الذي ينقذ الفرد والجماعة والأمة والعالم، ومن وحي الذكرى
سيحول الفلسطينيون ألم الخذلان ووحشية الأعداء إلى أمل بالانعتاق من قبضة
المستكبرين الجبارين: ﴿وَنُرِیدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى
ٱلَّذِینَ ٱسۡتُضۡعِفُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَىِٕمَّةࣰ وَنَجۡعَلَهُمُ
ٱلۡوَا
رِثِینَ ۝٥﴾
[القصص ٥].

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان