آخر الأخبار

سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة

شارك المقال على :

سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة

(الحلقة العاشرة)

بقلم: التهامي مجوري

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

*  سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 1

* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 2

* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 3

* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 4

* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 5

* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 6

* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 7

* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 8

* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 9

 

مهمة هذا الكتاب

إن مهمة هذا الكتاب بالأساس هي هداية البشر إلى صراط
الله المستقيم، والتوجيه إلى ما يعجز الإنسان عن إدراكه بقدراته العادية المحدودة،
التي لا تتجاوز طاقتها التجربة والخبرة والمشاهدة.

ومن بين ما لا علم للإنسان به الغيب المتعلق بجميع
القضايا الإيمانية العبادية ذات الصلة بذات الله وصفاته واليوم الأخر وما به وما
فيه، وما ينتظر الإنسانية من مصير حتمي، قوله تعالى: (
قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ
ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا
حَسَنٗا 
* مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا * وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ
ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا 
* مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ
كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا
) [الكهف 2 – 5]

وقوله تعالى: (وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ
مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا
) [الكهف 54]، أي “ولقد
بينا للناس في هذا القرآن، ووضحنا لهم الأمور، وفصلناها، كيلا يضلوا عن الحق،
ويخرجوا عن طريق الهدى. ومع هذا البيان وهذا الفرقان، الإنسان كثير المجادلة
والمخاصمة والمعارضة للحق بالباطل، إلا من هدى الله وبصره لطريق النجاة
[1]. وقوله تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ
فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ
شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا
لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ
) [النحل 89]، وقوله تعالى: (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ
يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ)،
[يوسف 11]، (إِنَّ هَذَا
الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)
[الإسراء 9].

والتبيان لكل شيء هذا والهدى والرحمة والبشرى والأمثال
التي جعلها الله لهذا الكتاب، لا يعني الاستغناء عن غيره من مصادر المعرفة
المعروفة، فالقرآن ليس كتاب فيزياء مثلا أو كتاب بيولوجيا أو غير ذلك من العلوم،
وإنما هو يتضمن من الكليات العلمية التي تجعله على علاقة مباشرة بكل العلوم، بوصفه
المشتمل على أخطرها على الإطلاق وهو العلم المتعلق بالغيب…، حيث يوجد فيه من
الإشارات إلى كليات علمية مما يتعلق بعلوم الكون، وإشارات أخرى خاصة بالعلوم
الإنسانية… أما الأصل الذي يعد من خصائص هذا الكتاب ومن مهامه، المقررات العلمية
المتعلقة بالعلاقة بالله سبحانه وتعالى وباليوم الآخر.

حول مصدرية هذا الكتاب

إن هذا الكتاب كما كان كتاب هداية ورحمة وبشرى للمسلمين،
هو مصدر إلهام للبشرية جمعاء، بوصفه كتاب الرسالة الخاتمة التي هي موجهة لجميع
البشر، وكما قال الأستاذ الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه في وصفه للإسلام ورسالته
الشاملة “الإسلام هو دين الله الذي أرسل به جميع رسله… وهو دين البشرية
الذي لا تسعد إلا به”[2].

ومصدريته الأساسية تتمثل في تعريف البشرية بالله وباليوم
الآخر، وبكل ما يتعلق بالمصير الإنساني، وعلاقة هذا المصير البشري بعالم الشهادة
وما به من فضائل ومحاسن وزينة.

وباعتبار هذا الكتاب كتابا دينيا، يبدو وكأنه خاص بأهل
هذا الدين دون غيرهم من البشر، بينما هو في الحقيقة بوصفه المعجزة الخالدة هو مصدر
إلهام للجميع، لما يتضمن من حقائق وقوانين ثابتة، ولذلك نرى أن الكثير ممن دخلوا
الإسلام بفضل قراءتهم لهذا الكتاب، وما يكتشفونه من حقائق في تخصصاتهم المختلفة،
وربما كانت لقراءات بعضهم اكتشافا لأجوبة على تساؤلات كانت تراودهم.

صحيح أن من خصائص هذا الكتاب، أنه متعبد بتلاوته وذلك
ليس لغير المسلم، ولكنه كمعجزة قد تضمن النبوة المنفتحة على جميع البشر، وكأنه نبي
يتجول بين الناس عارضا رسالته عليهم. 

موقع الكتاب من مصادر المعرفة الكونية

إن مصادر المعرفة المتداولة بين الناس، قد انحصرت هي
العلوم الكونية فيما يتعلق بعالم المادة، وفي العلوم الإنسانية فيما يتعلق
بالعلاقات الإنسانية والنظم وغيرها مما يتصل بها، ولكن الناس يغفلون عن مصدر آخر
أكثر أهمية وهو هذا الكتاب.

وإذا كانت العلوم الكونية والإنسانية قد غطت الحاجة
الإنسانية في تلك الجوانب الحساسة، فهي لا تزال عاجزة عن تغطية جانب آخر وهو
الجانب الروحي الإيماني، الذي لا تستطيع إشباعه العلوم الكونية والإنسانية، وإنما
يشبعه الوحي المتمثل في هذا الكتاب.

إن هذا الكون خاضع -في غالب الأحوال- لأسباب طبيعية
تتحكم في العالم، وتتصرف فيه، وهي القوى الكونية التي تسيطر على هذا النظام، وهي
الأسباب وخواص الأشياء التي قلما تفارق هذه الأشياء وقلما تخطئ، وفي الناس من
اقتصر نظره على هذه الظواهر والأسباب الطبيعية، واقتصر نظره على هذه الحياة، وعلى
هذا العالم المادي المحسوس، ورأى المسببات والنتائج تابعة دائما لأسبابها وعللها،
مرافقة لها لازمة، ليس في الوجود من يحول بين هذه الأسباب وهذه المسببات، ويتصرف
فيها بإرادته المطلقة، ويستطيع أن يوجد المسببات من غير أسباب، ويبدعها إبداعا،
وتعلق بهذه الأسباب وعبدها كالأرباب، وكفر بكل قوة وراء هذه الأسباب والخواص، وبكل
قوة تسيطر على هذا العالم، وتحكمه حكما مطلقا كليا، وكفر بالحياة بعدها، وبالبعث
والنشور، وبذل جهده ومواهبه في تسخير هذه القوة الكونية، والأسباب والخواص، وتسخير
المادة، وهام في سبيلها، و بالغ في تمجيدها وتقديسها حتى جعلها ربا وإلها، وأصبح
يكفر بكل شيء سوى المادة والقوة حتى إذا نال منها غايته، وسخر بعضها أو أخضع بعضها
لإرادته وحاجته، اعتقد ألوهيته، أو أعلن ربوبيته بلسان المقال ولسان الحال واستبعد
بني جنسه وعاث في دمائهم واموالهم وأعراضهم، واستباح لأغراضه وشهواته أو طموحه، أو
مجد أمته ووطنه وأسرته وحزبه”[3]

“وقد كان في مقاصد الإصلاح والتعليم التي جاء
لتحقيقها القرآن، وفي البيئة الفاسدة الموبوءة التي بعث فيها الرسول صلى الله عليه
وسلم، ونزل فيها القرآن، وفي طبيعة البشرية التي لا تختلف اختلافا كثيرا، وفي
الأزمان والبيئات التي تتوالى وتتجدد، والحوادث التي تتعاقب وتتكرر، وفي الأجيال
البرية التي سيخاطبها القرآن، وتقودها النبوة المحمدية على اختلاف الأعصر
والأمصار، كان في كل ذلك دواع أقوى وأحق بالاستجابة، وأسباب أظهر وأجدر
بالاهتمام”[4]

حاجة الكتاب إلى نبوة النبي

في نهاية سورة الكهف ذكر الله نبيه بأن يخاطب قومه بهذه
الحقيقة، وهي أنه بشر ولم يخرج عن إطاره البشري بسبب تحمله للوحي الذي أمر بتبليغه
(
قُلْ
إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ
وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا
وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا
) [الكهف 110].

وذلك لتحقيق غايتين اثنتين هما:

أولا:
أن النبوة لا تخرج المتصف بها عن بشريته، كما يتوهم المتوهمون، بأن يتجرد النبي من
بشريته (
وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي
فِي الْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا
) [الفرقان 7].

ثانيا: أن هذا الكتاب في حاجة إلى نبي من البشر يكون وسيطا بين
الله والناس، ليُعمل فيهم منهجه، (
وَمَا
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا
أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
 * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
) [النحل 43 – 44].

إن وحي الله الأعلى للبشر لا يمكن أن يكون بطريقة
مباشرة؛ لأن الإطلاقية التي يتصف بها الكمال الإلهي، لا يمكن أن يستوعبها الإنسان
المحدود زمانا ومكانا وحالا، فلا يمكن أن يفهم الوحي وفق المراد الإلهي إلا بواسطة
النبوة، التي تعلم البشرية المنهج الذي يمكن الناس المحدودين زمانا ومكانا وحالا،
من فهم المراد بالخطاب الإلهي الذي يليق بالزمان والمكان والحال، من غير تحكم في
الوحي المطلق الذي لا يحده الزمان ولا المكان ولا الحال، ولذلك كانت نبوة محمد
خلال ثلاث وعشرين سنة، كافية لإظهار المنهج على وجهه الأكمل (
وَمَا
أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ
) [الأنبياء 107]، (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا
نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
) [النحل 44]، (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ
الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
) [النحل 64]، (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
) [الحشر 7]، (لَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
) [النشاء 65]، (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ
وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
) [الحجرات 1]. (وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا
تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم
بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
) [الأنعام 153]، “فاعملوا
به واجعلوه لأنفسكم منهاجًا تسلكونه، ولا تسلكوا طريقًا سواه، ولا تركبوا منهجًا
غيره، ولا تبغوا دينًا خلافه، من اليهودية والنصرانية والمجوسية وعبادة الأوثان،
وغير ذلك من الملل، فإنها بدع… ليست لله بسبل ولا طرق ولا أديان
[5]، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
مَسْعُودٍ، قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَطًّا، ثُمَّ
قَالَ: “هَذَا سَبِيلُ اللهِ”، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ
وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: “هَذِهِ سُبُلٌ – قَالَ يَزِيدُ:
مُتَفَرِّقَةٌ – عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ”،
ثُمَّ قَرَأَ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا
فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)

[الأنعام 153]”.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها،
ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

 

 



[1]– تفسير ابن كثي

[2]– أصول دعوة جمعية العلماء

[3]– لأبو الحسن الندوي، الصراع بين المادية والإيمان، تأملات في سورة
الكهف، ص 22

[4]– لأبو الحسن الندوي، الصراع بين المادية والإيمان، تأملات في سورة
الكهف، ص 43

[5]– تفسير الطبري

التهامي مجوري
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان