غزوة تبوك.. مدرسة في الإعداد النفسي
والتربية القيادية
بقلم: د. علي محمد الصَّلابي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
تُعدّ غزوة تبوك من أبرز محطات التربية الإيمانية
والإعداد العسكري في السيرة النبوية، إذ جسّدت نموذجاً عملياً لإعداد الجيل المؤمن
القادر على تحمّل أعباء الرسالة. فقد خرج النبي ﷺ بجيش العسرة في ظروف شديدة
القسوة من حرٍّ وعطشٍ وقلة زاد ودواب، فكان ذلك تدريباً عملياً قاسياً صقل إرادة
الصحابة وأعدّهم لمواجهة التحديات المستقبلية. كما ظهرت في هذه الغزوة معالم
القيادة النبوية الحكيمة القائمة على الشورى، حيث استمع النبي ﷺ إلى آراء أصحابه
وقَبِل مشورتهم في مواقف عدة. وهكذا جمعت غزوة تبوك بين التربية الإيمانية
والإعداد العسكري، وأسهمت في إعداد جيل قادر على نشر الإسلام وحماية دعوته.
كان خروج الرَّسول (ﷺ) إلى تبوك بأصحابه فيه فوائدُ
كثيرةٌ، منها: تدريبهم تدريباً عنيفاً، فقطع بهم (ﷺ) مسافةً طويلةً في ظروفٍ
جويَّةٍ صعبةٍ، حيث كانت حرارة الصَّيف اللاهب، بالإضافة إلى الظُّروف المعيشيَّة
الَّتي كانوا يعانون منها، فقد كان هناك قلَّةٌ في الماء، حتَّى كادوا يهلكون من
شدَّة العطش، وأيضاً كان هناك قلَّةٌ في الزَّاد، والظَّهْر، ولاشكَّ في أنَّ هذه
الأمور تعدُّ تدريباً عنيفاً؛ لا يتحمَّله إلا الأقوياء من الرِّجال.
وفي هذا الدَّرس يقول الأستاذ محمود شيت خطاب: «تعمل
الجيوش الحديثة على تدريب جنودها تدريباً عنيفاً كاجتياز مواقع، وعراقيل صعبةٍ
جدّاً، وقطع مسافاتٍ طويلةٍ في ظروفٍ جوِّيَّةٍ مختلفةٍ، وحرمانٍ من الطَّعام،
والماء بعض الوقت، وذلك لإعداد هؤلاء الجنود لتحمُّل أصعب المواقف المحتمل
مصادفتها في الحرب، ولقد تحمَّل جيش العُسرَة مشقاتٍ لا تقلُّ صعوبةً عن مشقات هذا
التَّدريب العنيف، إن لم تكن أصعب منها بكثيرٍ، لقد تركوا المدينة في موسم نضج
ثمارها، وقطعوا مسافاتٍ طويلةً شاقَّةً في صحراء الجزيرة العربيَّة صيفاً، وتحمَّلوا
الجوع، والعطش مدَّةً طويلةً.
إن غزوة تبوك تدريبٌ عنيفٌ للمسلمين، كان غرض
الرَّسول (ﷺ) منه إعدادهم لتحمُّل رسالة حماية حرِّية نشر الإسلام خارج شبه
الجزيرة العربيَّة، فقد كانت هذه الغزوة آخر غزوات الرَّسول (ﷺ)، فلابدَّ من
الاطمئنان إلى كفاءة جنوده قبل أن يلحق بالرَّفيق الأعلى» (خطاب، 1960، ص
281-282).
وقد مارس رسول الله (ﷺ) في هذه الغزوة الشُّورى،
وَقَبِلَ مشورة الصِّدِّيق، والفاروق في بعض النَّوازل الَّتي حدثت في الغزوة، ومن
هذه النَّوازل:
أ – قبول مشورة أبي بكر الصِّدِّيق في الدُّعاء حين
تعرَّض الجيش لعطشٍ شديدٍ:
قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: خرجنا إلى تبوك في
قَيْظٍ شديد، فنزلنا منزلاً، وأصابنا فيه عطشٌ، حتَّى ظننَّا: أنَّ رقابنا ستنقطع؛
حتَّى إنَّ الرَّجل لينحر بعيره، فيعتصر فَرْثَه، فيشربه، ثمَّ يجعل ما بقى على
كبده، فقال أبو بكر الصِّديق: يا رسول الله! إنَّ الله عوَّدك في الدعاء خيراً،
فادعُ الله، قال: «أتحبُّ ذلك؟» قال: نعم! فرفع يديه، فلم يردَّهما حتَّى حالت
السَّماء، فأظلَّت ثم سكبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت
العسكر. [البزار
(1841)، وابن حبان (1383)، والبيهقي في الدلائل (5/231)، والحاكم (1/159) والهيثمي
في مجمع الزوائد (6/194 – 195)].
ب – قبول مشورة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه في ترك
نحر الإبل حين أصابت الجيش مجاعةٌ:
أصابت جيشَ العُسرة مجاعةٌ أثناء سيرهم إلى تبوك،
فاستأذنوا النَّبيَّ (ﷺ) في نحر إبلهم حتَّى يسدُّوا جَوْعَتَهُم، فلـمَّا أذن لهم
النَّبيُّ (ﷺ) في ذلك؛ جاءه عمر رضي الله عنه فأبدى مشورته في هذه المسألة، وهي:
أنَّ الجند إن فعلوا ذلك نفدت رواحلُهم، وهم أحوج ما
يكونون إليها في هذا الطَّريق الطَّويل، ثمَّ ذكر رضي الله عنه حلاً لهذه المعضلة،
وهو: جمع أزواد القوم، ثمَّ الدعاء لهم بالبركة فيها، فعمل (ﷺ) بهذه المشورة حتَّى
صدر القوم عن بقيَّةٍ من هذا الطعام، بعد أن ملؤوا أوعيتهم منه، وأكلوا حتَّى
شبعوا. (باشميل،
د.ت، ص 176-177).
ج – قبول مشورة عمر رضي الله عنه في ترك اجتياز حدود
الشَّام، والعودة إلى المدينة:
عندما وصل النَّبيُّ (ﷺ) إلى منطقة تبوك، وجد أنَّ
الرُّوم فرُّوا خوفاً من جيش المسلمين، فاستشار أصحابه في اجتياز حدود الشَّام،
فأشار عليه عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه بأن يرجع بالجيش إلى المدينة، وعلَّل
رأيه بقوله: إنَّ للروم جموعاً كثيرةً، وليس بها أحدٌ من أهل الإسلام. ولقد كانت
مشورة مباركةً، فإنَّ القتال داخل بلاد الرُّومان يعدُّ أمراً صعباً؛ إذ إنَّه
يتطلَّب تكتيكاً خاصّاً؛ لأنَّ الحرب في الصَّحراء تختلف في طبيعتها عن الحرب في
المدن، بالإضافة إلى أنَّ عدد الرُّومان في الشَّام يقرب من مئتين وخمسين ألفاً، ولاشكَّ
في أنَّ تجمُّع هذا العدد الكبير في تحصُّنه داخل المدن يعرِّض جيش المسلمين للخطر
(باشميل، د.ت، ص 176-177).
إنَّ ممارسة الشُّورى في حياة الأمَّة في جميع
شؤونها؛ السِّياسيَّة والعسكريَّة والاجتماعيَّة، منهجٌ تربويٌّ كريمٌ، سار عليه
الحبيب المصطفى (ﷺ) في حياته. وقد ساعد التَّدريب العمليُّ في تلك الغزوة الصَّحابةَ
في عصر الخلفاء، فقاموا بفتح بلاد الشَّام، وبلاد الفرس بقوَّة إيمانهم وثقتهم
بخالقهم، وساعدهم على ذلك لياقتُهم البدنيَّة العالية، ومعرفتُهم العمليَّة
لاستخدام السُّيوف والرِّماح، وأنواع الأسلحة في زمانهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
1.
باشميل،
محمد أحمد، غزوة تبوك، دار الفكر – بيروت.
2. الصلابي، علي محمد، (2021)، السيرة النبوية، ج 2،
ط11، دار ابن كثير، 2021، ص 509-511.
3.
خطّاب،
محمود شيت، (1960)، الرَّسول القائد (ﷺ)، الطَّبعة الثَّانية، سنة الطَّبع 1960م، دار مكتبة
الحياة، ومكتبة النَّهضة – بغداد.
-150x150.jpg)