لا إله إلا الله
وعلم الصلة به (2)
كتبه: التهامي
مجوري
عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين
**
اقرأ:
لا إله إلا الله وعلم الصلة به (1/2)
**
إن كلمة التوحيد هي منطلق المؤمن
في تفاعله مع الطبيعة والحياة والغيب، ومن ثم فهي متمددة في جميع حركات الإنسان فردًا،
وجماعةً، ونُظمًا سلوكية، ومعرفية.
أولًا: فعلى مستوى المعرفة، لا تقبل كلمة التوحيد
نفسها بناءً على الجهل واللامبالاة أو المجازفة والمخاطرة، وإنما بناءً على العلم: (وَلَا
تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ
كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)
[الإسراء: 36]، بما في ذلك العلم بكلمة التوحيد، فلا تكون بالتقليد الأعمى من غير
اعتقاد جازم بكل ما تتضمنه من معانٍ ومقررات تصورية عقدية تعبدية؛ لأن الله أودع
في الإنسان القدرة على تحصيل المعرفة والاتصاف بها: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ
كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ
هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة: 31]، فهو مفطور
على التحصيل المعرفي ومزوَّد بمفاتيحه، ومن ذلك الفضول الذي وزعه الله على الجميع
علماءَ وعوامَّ وصغارًا وكبارًا… وما المعرفة –كما هو معلوم– إلا التفكير وبناء
التصورات عن الأشياء وإصدار الأحكام والمواقف، واكتشاف قوانين الوجود وإعمالها،
ونقلها إلى واقع سلوكي عملي، فلا يمكن أن يصدر شيء عن الإنسان المؤمن من ذلك ما لا
تتضمنه كلمة التوحيد أو يكون لها موقف فيه، ولذلك فهي موزعة توزيعًا وظيفيًا بين
ساحات النشاط الإنساني وطبيعة بنائه الذاتي.
ثانيًا: أما على المستوى النفسي للفرد، فتدخل عقيدة لا
إله إلا الله في إخضاع النفس البشرية وميولاتها وخياراتها في الحياة من حيث
تركيبتها الاجتماعية وميولاتها الفردية: (فَلَا
وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ
لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
[النساء: 65]، فلا يُعتبرون مؤمنين وخاضعين لما يقتضيه توحيد الله في ذاته وصفاته
وفعله وقوله، إذا لم يلجؤوا إلى البحث عما يقرره الله في شيء من ذلك.
ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد،
وإنما يتعداه إلى خضوع الجانب النفسي ومقدار تشبعه بما يقرر الله: (ثم لا يجدوا في
أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا)، فالشعور بعدم الحرج والتسليم هو عين
الاعتراف بسلطان كلمة التوحيد على النفس البشرية فرديًا، قبل أن يتصف بها المجتمع
كمسلمة اجتماعية جامعة.
على أن الأصل في حياة المؤمنين
وتفاعلهم مع كلمة التوحيد وما تقتضيه من تسليم وإذعان هو الفرد المؤمن، فكل فرد
مطالب بأن يكون خاضعًا لكلمة التوحيد وما تقتضيه من مستلزمات، ليتشكل من مجموع
الأفراد التسليم الجماعي لتلك المقررات التي أذعن إليها الفرد المؤمن، ويخضع
لمقرراتها المجتمع المسلم بعد ذلك، الذي يسلِّم لله سبحانه فيما يقرر من مبادئ، وتصورات،
وأحكام عبادية، وقضائية.
ولذلك عاب الله على المشركين
عبادتهم لغير الله، كما نبَّههم أيضًا إلى أن الحكم في ذلك لا يكون إلا لله: (مَا
تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم
مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ
أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [يوسف:
40].
ثالثًا: وهنا تظهر
ضرورة خضوع المجتمع لحكم الله كمنظومة عقدية ثقافية سياسية؛ لأن طبيعة الحكم لها
صلة بالنظام الذي يحكم المجتمع، ولذلك كان لا بد من تمدد كلمة التوحيد في نظم
المجتمع برمتها: إدارةً وعاداتٍ وتقاليد (إِنِ
الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ
الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
وذلك بتحديد المرجعية كلمةً
جامعةً بين أفراد المجتمع وفئاته، منطلقها عقيدة التوحيد الإسلامية التي تقرر
وتُخضع معتنقها لحكم الله سبحانه وتعالى…، فتكون جميع أعراف المجتمع وتقاليده
وعاداته، مستندةً إلى ما تقرر في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
قد تُطرح بعض الإشكالات في
المجتمعات المسلمة التي بها أقليات غير مسلمة، ولكنها لا تكون مانعًا من مرجعية
الإسلام على مستوى النظم؛ لأن العبرة بالأغلبية، والأغلبية هي التي تحكم، وكذلك هي
في النظم السياسية الحديثة. ومع ذلك فإن ما تختلف فيه شرائع هذه الأقليات مع
الإسلام فإن المرجع فيه إلى مصادر هذه الأقلية الدينية، فاليهود يحاكمون بشريعة
اليهود، والنصارى يحاكمون إلى شريعة النصارى، وذلك فيما يتعلق بالأمور الدينية
المحضة، مثل أحكام الأسرة والمواريث وغير ذلك من العبادات التي تختلف عن عبادات
المسلمين.
أما فيما عدا ذلك فإن النظام
السياسي بجميع أبعاده مطالب بتحقيق المساواة وضمان الحقوق السياسية والاجتماعية
والثقافية، وبكل ما يحقق العدل للجميع، انطلاقًا من مبدأ التعاقد الذي التقى عليه
مجموع أفراد المجتمع وخضعوا له نظامًا يتساوى فيه جميع المواطنين مهما اختلفت
ألسنتهم وألوانهم وعقائدهم.
إن المجتمع ليس مجرد كتلة بشرية
التقت وحكّمت شريعةً معينة، وإنما يتحول على مر الزمن إلى مصدر إلهام للأفراد
الذين يولدون فيه؛ فالطفل الذي يولد في مجتمع مسلم مرشح لأن يبقى مسلمًا، والطفل
الذي يولد في بلد غير مسلم مرشح لأن يبقى على دينه؛ بل إن الإنسان بطبيعته التي
خلق عليها لا يتحول إلا في ظل الحريات.
“ما من مولود إلا يُولد على
الفطرة»، ثم يقول: “اقرؤوا: (فِطْرَةَ
اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ،
ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)» [الروم: 30]، وزاد البخاري: «فأبواه
يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانه، كما تُنتج البهيمةُ بهيمةً جمعاء، هل
تحسون فيها من جدعاء؟». ثم يقول أبو هريرة: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي
فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، ذَلِكَ الدِّينُ
الْقَيِّمُ)“[1].
وذلك بسبب ما للعرف والعادات من
سلطان على الأفراد في المجتمعات؛ لأن المجتمعات تمثل فيها الأعراف قوة لا تقاومها
الأحكام والقوانين بسهولة، ولذلك اعتُبر العرف من مصادر التشريع، ومن المكونات
التي ينبغي مراعاتها ولو كان من الأعراف الفاسدة، من أجل اكتساب القدرة على
التناغم معها والتحكم فيها.
رابعًا: النظام السياسي، وهو تابع للنظام الاجتماعي
والمكمل له، ويتعلق الأمر بمؤسسات الدولة التي تُسيِّر النظم الحاكمة للفرد
والمجتمع، وذلك بأن تكون هذه المؤسسات مجسدة لخيارات الفرد والمجتمع الخاضعين
لمقررات عقيدة التوحيد، ابتداءً من التمسك بالمرجعية الإسلامية، ومرورًا بتعظيم
شعائر الله كعرف عام، تساعد على تجسيده في المؤسسات الرسمية، ولو كان ذلك من
خيارات الأفراد والمجتمعات؛ مثلما هو الحال في الخيارات العقدية، فهي ليست
بالإكراه، ولكن منظومات المجتمع ملزمة –في ظل عقيدة التوحيد– أن تساعد على
الانتماء الديني وتيسير السبل الموصلة إليه.
والنظام السياسي أظهر ما فيه قضية
الحكم بما أنزل الله، وهي مسلَّمة، ولكن بعض المؤمنين قد يحصرونها في إقامة
الحدود، وذلك مبلغهم من العلم بمستوى الأحكام المطلوب إقامتها، بينما الحقيقة أن
الحدود لا تمثل إلا الشيء القليل بالنسبة لمجموع النظام السياسي في الإسلام؛ فماذا
تساوي الحدود بالنسبة للعدل بين الناس، وضمان الحريات الفردية والجماعية، والشورى،
وتيسير سبل ممارسة الحكم: للأكفأ والأقدر والأصدق والأعلم… إلخ؟ ولكن القصور
المعرفي قد ضلل الأمة وجعلها تنحسر في قيم جزئية على حساب الكليات الشرعية كما هي
مقررة في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
خامسًا: ومثلما تكلمنا عن علاقة المعرفة وعالم النفس
والمجتمع والنظام السياسي بالتوحيد، ولاحظنا ضرورة الانتباه إلى أهمية موقع كلمة
التوحيد “لا إله إلا الله” في هذه المجالات الأربعة، فإن موقعها من
العملية الاقتصادية للفرد والمجتمع ليس أقل أهمية منها أيضا… فالإنسان في حاجة
إلى أكل وشرب وعمل وإلى مواد أولية لصناعة حاجياته… فهل معنى ذلك أنه هو الذي
يصنع حاجاته ويوفرها؟ والعقيدة التي تسكنه تقول إن ذلك لا يكون إلا بالله كما هو
مقرر في مكانة التوحيد في مثل هذه العملية، وهي الاعتقاد أن كل ذلك يتحقق بيد الله: (وَفِي
السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ)
[الذاريات: 22-23].
لا شك أن الإنسان يُعْمِل جهده
ويستميت في طلب الرزق، فيكون ما يتوصل إليه بفضل الجهود التي بذلها، ولكن كل ما
يقوم به الإنسان لا يساوي شيئًا أمام عملية التسخير الأولى التي هي منحة من الله
لا فضل لأحد فيها: (وَسَخَّرَ
لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي
ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)
[الجاثية: 13]، قد استفاد منها غير المؤمن عندما اجتهد وحقق الكثير من الفضائل
التي تخدمه في دنياه: (كُلًّا
نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ
رَبِّكَ مَحْظُورًا) [الإسراء: 20]، ولكن بحكم غياب تسليم غير
المؤمن بفضل الله عليه فيما توصل إليه، فضلًا عن أنه لا يقيم وزنًا للمصير
الأخروي، لا تعد أعماله ذات قيمة في الآخرة: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا
أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ…) [النور: 39]. على خلاف المؤمنين الذين
يصلون الدنيا بالآخرة، فيستحضرون الله وهيمنته على الوجود في كل شيء: (وَمَن
يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا
يَحْتَسِبُ…) [الطلاق: 2-3].، بل هم كما وصفهم ربهم في كتابه: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي
جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ…) [الذاريات: 15-23].
ــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
-150x150.jpg)