الخطابة
أمانة
كتبه: أ.د. رياض بن عبدات
عضو
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
إنّ من أعظم
الأمانات الّتي يحملها الخطيب المعتلي منبر الجمعة أمانة البيان عن اللّه، والبلاغ
عن شريعته، وتوجيه النّاس على بصيرة، لا على اندفاع عاطفة، ولا على هيجان خطاب،
ولا على تضخيمٍ أو تهوينٍ يخرج الأمور عن حقائقها؛ إذ إنّ الخطبة ليست صراخًا
يُستثار، ولا عاطفةً تُستدرّ، وإنّما هي علمٌ يُوزن، وفقهٌ يُحرَّر، وحكمةٌ
تُنزَّل في مواضعها. والخطيب حين يتناول المسائل الفقهيّة، فإنّه لا يقف موقف
الواعظ المجرّد، بل مقامه أرفع، مقام المبيِّن عن اللّه، الموقِّع عن ربّ
العالمين. وهذا الأمر يحتّم عليه أن يراعي أصولًا
جامعة، وقواعدَ ضابطة، منها:
أوّلها: النّظر إلى الحقائق: فينظر إلى ذات الحكم الشّرعيّ كما هو في دليله، لا كما
تُصوِّره الانفعالات أو تُضخِّمه التّصوّرات. فلا يُحرِّم ما لم يُحرَّم، ولا
يُهوِّن ما عظَّمه الشّرع، وقد قال اللًه تعالى: ﴿وَلا
تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، العلم بالحكم، وبالمحلّ، وبالحال،
وبالمآل، وبالمقصد.
ثانيها: التّفريق بين الأصل والاستثناء: فالأحكام لها أصولٌ تُبنى عليها، ولها
استثناءات تُقدَّر بقدرها؛ فليس من الفقه أن يُجعل الاستثناء أصلاً، ولا أن يُهمل
في موطن يحتاج إليه، بل يُذكر الأصل أوّلًا، ثم يُبيَّن ما يطرأ عليه من تخصيص أو
تقييد، أو عوارض حسب المقام.
ثالثها: تحقيق المناط والنّظر في الواقع: فليس الحكم في ذاته كافيًا حتّى يُنزَّل
على موضعه الصّحيح، وقد قرّر الأصوليّون أنّ ” الحكم على الشّيء فرعٌ عن
تصوّره”. فكم من مسألةٍ أُسيءَ فيها الحكم، لا لخللٍ في النّص، ولكن لخللٍ في
الفهم أو التّنزيل. قال ابن القيّم: ” ولا يتمكّن المفتي ولا الحاكم من
الفتوى والحكم بالحقّ إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه،
واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات، حتّى يحيط به علمًا.
والنّوع الثّاني:
فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حُكم اللَّه الّذي حَكَم به في كتابه أو على لسان
رسوله -صلّى اللَّه عليه وسلّم- في هذا الواقع، ثمّ يطبّق أحدهما على الآخر”
إعلام الموقعين.
رابعها: مراعاة المقاصد والمآلات: فالشّريعة جاءت لحفظ الدّين، والنّفس، والعقل،
والنّسل، والمال. والخطيب الفقيه لا ينظر إلى الفعل مجرّدًا عن ملابساته وحِكَمه
ومقاصده، بل ينظر إلى أثره، ومآله، وما يفضي إليه؛ فيجمع بين فقه النّص وفقه
الواقع.
خامسها: العدل والإنصاف في الطّرح: فلا يعيش الخطيب في صراعٍ مع كلّ جديد، ولا يجعل
المنبر ساحة معركة مع تفاصيل الحياة، بل يزن الأمور بميزان الشّرع: فما أباحه
اللّه بقي على أصله إباحةً، وما حرّمه بقي على أصله تحريمًا، وما كان من المباحات
نُظر فيه إلى استعماله: فإن أعان على طاعة، كان محمودًا، وأُعطي حكم بقيّة الأحكام
الشّرعيّة، وإن أفضى إلى تفريطٍ أو معصية، كان مذمومًا بقدر ما أفضى إليه.
أيّها الفضلاء: ليس من الفقه أن نُضيِّق ما وسَّعه اللّه، ولا أن نُطلق ما قيَّده الشرع؛
فكثيرٌ من شؤون النّاس -كالتّرويح المباح، ومزاولة الرياضة، ونحو ذلك- هي في أصلها
دائرة في باب الإباحة، وإنما يُنظر إليها من جهة ما تُفضي إليه؛ فمن حفظ بها بدنه،
وأعان بها نفسه على طاعة ربّه، ولم تُشغله عن واجب، فلا تثريب عليه، بل قد يؤجر
بنيّته.
وقد كان النّبيّ -صلّى
اللّه عليه وسلّم- يُراعي هذا التّوازن العجيب؛ فجمع بين العبادة والرّاحة، وبين
الجدّ والتّرويح، وقال كما في مسلم: (ساعةً وساعة)، ساعة لقوّة اليقظة وساعة
للمباح وإن أوجبت بعض الغفلة؛ ليعلّم الأمّة أنّ النّفس إن لم تُراع ضعفت، وإن لم
تُهذَّب طغت، وأنّ الأفراد والأمّة تتباين أحكامهم من حيث الجزء والكلّ؛ فما أُبيح
بالجزء قد يجب أو يندب أو يكره أو يحرّم بالكلّ.
أيّها الفضلاء: إنّ الخطاب الشّرعيّ إذا انفصل عن ميزان الفقه، كان اندفاعًا يُيئس، أو
تهوينًا يُفرِّط، وإنّه إذا اتّصل بالعلم كان هدايةً ورشدًا، وواجب الخطيب أن:
يُقيم الحقائق كما هي، ويزن الجزئيّات بكليّاتها، ويربط الأحكام بمقاصدها، ويخاطب
النّاس بميزان الحكمة، لا بحدّة العاطفة؛ وبذلك تتحقّق وحدة الرّوح بين الخطاب
الشّرعيّ، وسلوك المكلّف؛ فيفهم الدّين فهمًا صحيحًا، ويعيشه واقعًا متوازنًا.
اللّهمّ إنّا
نسألك علوم الأوّلين والآخرين، وفهوم النّبيّين المرسلين، وإلهام الملائكة
المقرّبين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين.
-150x150.jpg)