سبع وقفات مع
الأحداث التي تمر
كتبه: عبدالله
أحمد دراني
عضو في اتحاد
العالمي للعلماء المسلمين
مقدمة:
في زمن تتسارع فيه الأحداث،
وتتشابك فيه الأخبار، ويكثر فيه اللغط والتحليل، يصبح لزامًا على المسلم أن يتعامل
مع الوقائع بعلمٍ وبصيرةٍ وأدبٍ شرعي؛ حتى لا يكون سببًا في تضليل نفسه أو غيره،
ولا يقع في الفتنة من حيث لا يشعر.
ومن هنا جاءت هذه الوقفات السبع،
لتكون منهجًا عمليًا في التعامل مع الأزمات والفتن.
الوقفة الأولى: قول “لا أعلم” منهج
العلماء
من أعظم آداب العلم أن يقول
الإنسان: لا أعلم.
فليس كل حدث يجب أن يكون لك فيه
رأي، ولا كل قضية تُطرح يلزمك أن تُدلي فيها بدلوك.
وقد ابتُلي الناس اليوم بأن كل أحد
صار محللًا: سياسيًا، واستراتيجيًا، وشرعيًا!
بينما كان سلف الأمة على خلاف ذلك:
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه
يُسأل فيقول: لا أعلم،
وكان أبو بكر رضي الله عنه يقول:
لا أعلم حتى أسأل،
بل إن النبي ﷺ كان ينتظر الوحي.
قال تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ
عَنِ الرُّوحِ﴾،
﴿يَسْأَلُونَكَ
مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾،
﴿وَيَسْأَلُونَكَ
مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾.
وكان لا يجيب حتى يأتيه البيان من
السماء.
ثم أرشد الله إلى المنهج الصحيح في
التعامل مع الأخبار: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ
الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ
وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ
مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83].
وأخطر من ذلك أن يتكلم الإنسان في
الحلال والحرام بغير علم، قال تعالى: ﴿وَلَا
تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ
لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى
اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116].
كما أن إسقاط أحاديث الفتن على
الواقع بغير علم قد يؤدي إلى تكذيب الناس لها إذا لم توافق ظنون المتكلمين.
الوقفة الثانية: الحذر من الشائعات
في أزمنة الفتن والحروب، تنتشر
الشائعات بسرعة، بقصد أو بغير قصد.
وقد حذر النبي ﷺ من ذلك فقال: «كفى
بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع» (رواه مسلم).
فواجب المسلم أن يتحرى، وأن يصمت
إذا لم يتيقن، حمايةً لنفسه ولمجتمعه.
الوقفة الثالثة: التضرع والرجوع إلى
الله
الشدائد مواسم للرجوع إلى الله، لا
للغفلة عنه.
قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن
قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[الأنعام: 43].
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ
فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾
[الأنعام: 42].
وقال: ﴿وَلَقَدْ
أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾
[المؤمنون: 76].
فالفتن توقظ القلوب، وتدعو إلى
الإكثار من الدعاء، والعبادة، والانكسار بين يدي الله.
الوقفة الرابعة: احتساب الأجر في
خدمة الوطن
خدمة الوطن، والدفاع عنه، والقيام
على أمنه، من الأعمال الجليلة.
فينبغي لكل من يقوم بذلك -من جيشٍ
أو شرطةٍ أو غيرهم- أن يحتسب الأجر عند الله.
فالوطن له حق، ومن نشأ فيه، وأكل
من خيره، فعليه أن يؤدي واجبه نحوه.
وقد قال النبي ﷺ: «رِبَاطُ يَوْمٍ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» (متفق عليه).
الوقفة الخامسة: تجنب الخطاب
الطائفي والعنصري
من أخطر ما يقع في الفتن: الانزلاق
إلى الخطاب الطائفي أو العنصري أو المذهبي.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
[الأنفال: 46].
ولا يجوز أن يُعيَّر الإنسان بلونه
أو نسبه أو وطنه؛ لأنه لم يختر ذلك.
وقد قال النبي ﷺ لأبي ذر رضي الله
عنه حين عيّر بلالًا: «إنك امرؤ فيك جاهلية» (متفق عليه).
فالإنسان يُلام على ما اختار، لا
على ما لم يختر.
الوقفة السادسة: الإكثار من العبادة
في زمن الفتن، يحتاج المسلم إلى
زيادة صلته بالله.
قال النبي ﷺ: «العبادة في الهرج
كهجرةٍ إليّ» (رواه مسلم).
ومن ذلك:
• الصدقة، قال ﷺ: «صدقة السر تطفئ
غضب الرب» (حديث حسن).
• وقال ﷺ: «صنائع المعروف تقي
مصارع السوء» (حديث حسن).
• وقال ﷺ: «والله في عون العبد ما
كان العبد في عون أخيه» (رواه مسلم).
• ومن الأذكار:
«بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء
في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم» (ثلاث مرات).
«أعوذ بكلمات الله التامات من شر
ما خلق».
فهذه العبادات تحفظ الإنسان،
وتثبته في زمن الاضطراب.
الوقفة السابعة: حسن الظن بالله
حسن الظن بالله من أعظم أسباب
النجاة.
قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا
اللَّهُ﴾ [المائدة: 64].
وقال يعقوب عليه السلام: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ
وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن
رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87].
فباليقين وحسن الظن بالله، انطفأت
نار الحزن في قلب يعقوب، واجتمع بيوسف بعد طول فراق.
خاتمة:
ومن الكلمات التي تُكتب بماء
الذهب، ما قاله رئيس مجلس الوزراء ووزير امور الخارجية بدولة قطر سعادة الشيخ محمد
بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني حفظه الله: “هذا البلد الله يحفظها”.
كلمةٌ تحمل يقينًا عظيمًا، وحسن
ظنٍ بالله.
وقد صدق النبي ﷺ إذ قال: «صنائع
المعروف تقي مصارع السوء».
وهذا المعنى نراه متحققًا في
الواقع؛ فحيثما وُجد الخير والإحسان، وُجد الحفظ والتوفيق.
خلاصة المقال:
إن التعامل مع الفتن لا يكون
بالعاطفة ولا بكثرة الكلام، بل يكون بـ:
• العلم،
• والتثبت،
• والرجوع إلى أهل الاختصاص،
• والعبادة،
• وحسن الظن بالله.
وبذلك ينجو الإنسان، ويحفظ مجتمعه،
ويسلم دينه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا
تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
* عبدالله أحمد دراني؛ إمام وخطيب
بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – قطر. عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
-150x150.jpg)