المجتمع الإسلامي وضرورة العودة إلى غار حراء[1]
بقلم: أ.د/ محمد دمان ذبيح
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام
على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ثم أما بعد
لا شك أن البعد الروحي يعتبر بعدا مهما في
حياة الإنسان، وذلك لما يترتب عن هذا الأخير من آثار متعددة تنعكس
إيجابا على حاضر الإنسان، ومستقبله القريب، أو البعيد.
ولعل من
أبرز هذه الآثار تحقيق الدرجات العالية من السمو، والسكينة، سواء على مستوى العلاقة مع الله عز وجل، أو على مستوى العلاقة مع الذات،أو الغير.
والمتدبر لكتاب الله عز وجل يجد هذا الجانب
بارزا في أكثر آياته، من ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَٱلشَّمۡسِ
وَضُحَىٰهَا ٞ وَٱلۡقَمَرِ
إِذَا تَلَىٰهَا ٞ وَٱلنَّهَارِ
إِذَا جَلَّىٰهَا ٞ وَٱلَّيۡلِ
إِذَا يَغۡشَىٰهَا ٞ وَٱلسَّمَآءِ
وَمَا بَنَىٰهَا ٞوَٱلۡأَرۡضِ وَمَا طَحَىٰهَا ٞ وَنَفۡسٖ
وَمَا سَوَّىٰهَا ٞ فَأَلۡهَمَهَا
فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا ٞ قَدۡ
أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ٞ وَقَدۡ
خَابَ مَن دَسَّىٰهَا ٞ﴾ [الشمس: 1–10]، فنلاحظ هنا أحد عشر قسما متتالية، قسما يتلوه قسم، وهذا يدل وبلا شك على عظمة جواب القسم، أو المقسم عليه، والمتمثل في هذه السورة في فلاح من زكى نفسه بالمثل
العليا، والقيم الفاضلة، وخيبة من دسى نفسه بالرذائل، والصفات الدنيئة.
بل إنه من أوائل السور نزولا على النبي -صلى
الله عليه وسلم- سورة المزمل، والتي تدعوه كما هو معلوم إلى الحرص على صورة من صور
الجانب الروحي، وهي قيام الليل، ليكون الإنسان في مستوى تحمل الرسالة، أو الأمانة الملقاة على عاتقه، لذلك بعد أن أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه
وسلم بقيام الليل، بين له من جهة سبب هذا الأمر بقوله: ﴿إِنَّا
سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:
5]، ومن جهة ثانية بين له عظمة هذا الأمر بقوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا
وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾
[المزمل: 6]، وفي هذا كما نرى دلالة واضحة على قوة هذا الجانب، وقدرته على صناعة الشخصية العظيمة الناجحة على مستوى
جميع الأصعدة.
وإلى جانب ما سبق فإن الدارس لسيرة المصطفى
-صلى الله عليه وسلم- يكتشف هذا البعد في حياته عليه الصلاة والسلام،
فلقد كانت كل خطوة من
خطواته الشريفة تعبر عن الصلة الدائمة، والصادقة مع الله عز وجل، وبطريقة تعجز أمامها البشرية جمعاء.
فقبل البعثة كان النبي -صلى الله عليه
وسلم- يتحنث في غار حراء الليالي ذوات العدد، معتزلا بذلك الدنيا برمتها، وما تحمل
من رذيلة، وشرك، ووثنية، وبعد البعثة خاصة في الفترة المكية نجد هذا البعد أيضا
ظاهرا في كثرة دعائه، وقيامه، وشدة استعانته بربه سبحانه وتعالى في كل أحواله حتى
أتاه اليقين،أين ختم حياته العطرة بقوله: “اللهم الرفيق الأعلى”[2]، وهي الكلمة التي تعبر عن نفسها، وبقوة عن مدى ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم لهذا
البعد حتى فارق الحياة.
ويؤكد أهل العلم، والمختصون في هذا المجال بأن الاهتمام بالجانب الروحي
هو السر من وراء صلاح الفرد مظهرا وجوهرا، واستقرار المجتمع حاضرا ومستقبلا، يقول الشيخ محمد الغزالي -رحمة الله تعالى عليه: “إنني
بعد تجارب طويلة موقن بأن تصحيح البواطن هو الأساس الأهم لتصحيح الظواهر،
وأن أدق الأنظمة ينهار مع
خراب النفوس، وأن الضمان الأوثق لنجاح الاقتصاد، وانتصار الجيوش، واستقامة المجتمع، واستقرار الحضارة يعود بادئ ذي بدء إلى الصحة النفسية، إلى البراءة من الأهواء، والدنايا، إلى التجرد لله تعالى، وإيثار ما عنده.”[3]
وإنني أرى بأن أمتنا اليوم ما غابت عن المشهد
العالمي، أو بتعبير آخر عن عالم الشهادة، والوجود، إلا
بسبب غياب، أو تغييبها للجانب الروحي في حياتها، فضاعت
الأخلاق والتربية،
وفسدت
الهمم والذمم، وانحرفت المسؤوليات والأمانات، حتى
غدت أمتنا تتخبط في دياجير الظلام والسواد، فما بتاريخها تمسكت، وما بهويتها تشبثت،
وما بدينها تعلقت واعتصمت.
ولعلها الرسالة التي أرادها “الشيخ
البشير الإبراهيمي –رحمة
الله تعالى عليه” من وراء قوله: “قد نرضى لأبنائنا سوء التغذية، ولكن لن نرضى لهم
سوء التربية”، ولا شك أن التربية
السليمة لن تكون إلا بهذا البعد الروحي منذ النشأة الأولى،
حتى تتربى شخصية الإنسان من أولها إلى آخرها على هذا البعد الهام، الذي يصل بالفرد،
والمجتمع معا إلى مصاف المجتمعات المحافظة، والمتقدمة على مستوى جميع الأصعدة.
وانظر إلى النبي –صلى الله عليه وسلم– كيف كان يغرس هذا البعد
الروحي في نفوس الأبناء، والشاب منذ الصغر، وهذه رسالة قوية لنا جميعا، حتى نقتدي
بالنبي –صلى
الله عليه وسلم–
سيد المعلمين، والمربين، فعن أبي
العباس عبد الله بن عباس رضي
الله عنهما قال: كنت خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- يوما، فقال :“يا
غلام، إني أُعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سأَلت فاسأَل
الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أَن ينفعـوك بشيء،
لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا
بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف”.[4]
لذلك كان من الواجب على الجميع من أسرة،
ومدرسة، ومسجد، وإعلام، وغيرها
من المؤسسات الفاعلة في المجتمع العمل، وبشكل متكامل على التسامي، والترقي بالروح، والوصول بها إلى مصاف الصالحين، والمقربين، خاصة ونحن نعيش في زمن طغت فيه المادة بشكل رهيب، حتى أصبحت هي الفيصل، والمعيار لكل اختياراتنا، وتصرفاتنا المختلفة، إلا من رحم ربك.
وأخيرا وصفوة القول يبقى الجانب الروحي العلاج الناجع لكل ما نعانيه من هموم،
وسموم، سواء على المستوى الفردي، أو على المستوى الجماعي، كما
يمثل أيضا البديل المناسب عن
هذه المادية القاتلة، هذا إلى جانب كونه وبامتياز المورد، والمنبع الصافي لكل ضمآن ينشد الراحة الحقيقية، والسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة.
الهوامش
[1]استخدمت هذا المصطلح كرمز للجانب، أو البعد الروحي في حياة الإنسان.
[2]
أخرجه البخاري برقم 4463.
[3]
قال هذا الكلام أثناء إلقاء محاضرة بعنوان: “أهمية
البناء الروحي لإقامة المجتمع الإسلامي”، وذلك خلال ملتقى الفكر الإسلامي الثالث والعشرون، الموسوم بـــــ:” نحو مجتمع إسلامي معاصر”، المنعقد خلال الفترة من 29 أوت إلى 5 سبتمبر 1989م، تبسة، الجزائر.
[4]
رواه الترمذي برقم 2516.