الاجتهاد المعاصر بين الضوابط الشرعية
والتحديات
بقلم: أحمد شوقي عفيفي
داعية إسلامي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد
خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
تعيش الأمة الإسلامية في هذا العصر مرحلة من أدق مراحل
تاريخها حيث تتسارع التحولات الفكرية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية بوتيرة
غير مسبوقة وتتداخل القضايا المعاصرة بصورة تجعل التعامل معها أكثر تعقيدا وتشابكا
من أي وقت مضى.
وفي خضم هذه التحولات المتلاحقة تبرز الحاجة الملحة إلى
الاجتهاد المعاصر باعتباره ضرورة شرعية لا غنى عنها، وأداة علمية تمكن الأمة من
مواكبة المتغيرات المتسارعة، وتنزيل أحكام الشريعة الإسلامية على الوقائع المستجدة
دون إخلال بثوابتها أو تجاوز لمقاصدها العليا.
لقد جاءت الشريعة الإسلامية شريعة خاتمة صالحة لكل زمان
ومكان تحمل في بنيتها من القواعد الكلية والمقاصد العامة ما يكفل استمرار صلاحيتها
ومرونتها عبر العصور.
غير أن هذه الصلاحية لا تتحقق في الواقع العملي إلا
بوجود علماء مجتهدين يجمعون بين عمق الفقه، وسعة المعرفة، ودقة الفهم للواقع،
فيستنبطون الأحكام الشرعية للمستجدات المتلاحقة، مستنيرين بنصوص الوحي، ومستحضرين
مقاصد الشريعة، ومستندين إلى قواعدها الكلية مع وعي دقيق بمتغيرات العصر
وتعقيداته.
ومن هنا فإن الاجتهاد المعاصر لم يعد مسألة نظرية أو
ترفا علميا، بل أصبح ضرورة شرعية وحضارية للأمة الإسلامية حتى تتمكن من مواجهة
تحديات العصر، وتقديم نموذج حضاري متوازن يجمع بين الثبات والتجديد، وبين الأصالة
والمعاصرة.
والاجتهاد في الإسلام أصل راسخ من أصول الشريعة، ومظهر
من مظاهر حيويتها ومرونتها، فقد أقره النبي ﷺ كما في حديث معاذ بن جبل رضي الله
عنه حين بعثه إلى اليمن، فسأله: بم تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال:
بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فقال النبي ﷺ: الحمد
لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله.
وهذا الحديث يؤكد أن الاجتهاد وسيلة شرعية لمعالجة
النوازل، وأن الشريعة الإسلامية تتسع للاجتهاد المنضبط القائم على الكتاب والسنة،
والمتكئ على الفهم الصحيح لمقاصد الشريعة وأهدافها.
وقد مارس الصحابة رضي الله عنهم الاجتهاد في قضايا جسام
بعد وفاة النبي ﷺ. فجمعوا القرآن الكريم، ونظموا شؤون الدولة، وعالجوا القضايا
المستجدة التي فرضها توسع الدولة الإسلامية.
ثم استمر الاجتهاد في عصور التابعين والأئمة المجتهدين،
فازدهر الفقه الإسلامي، وتعددت مدارسه، وتنوعت اجتهاداته في مشهد علمي يعكس سعة
الشريعة الإسلامية ومرونتها، وقدرتها على استيعاب اختلاف الزمان والمكان.
ويأتي الاجتهاد المعاصر اليوم في سياق أكثر تعقيدا
واتساعا، حيث لم تعد القضايا الفقهية مقتصرة على المسائل الفردية، بل أصبحت مرتبطة
بأنظمة اقتصادية عالمية، وتطورات طبية متقدمة، وثورات تكنولوجية متلاحقة.
فقد ظهرت قضايا جديدة لم تكن معروفة من قبل مثل العملات
الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية، والمعاملات المالية المعاصرة،
وقضايا البيئة والتغير المناخي، وكلها تطرح أسئلة فقهية عميقة تحتاج إلى اجتهاد
رصين يجمع بين المعرفة الشرعية العميقة والفهم الدقيق للواقع.
كما يتميز الاجتهاد المعاصر باتساع دائرة تأثيره، إذ لم
يعد الاجتهاد محصورا في بيئة محددة أو مجتمع بعينه، بل أصبح يؤثر في المسلمين في
مختلف أنحاء العالم مما يفرض على العلماء مراعاة اختلاف البيئات، والظروف
الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية.
ومن أبرز خصائص الاجتهاد المعاصر أيضا الحاجة إلى
الاجتهاد الجماعي نظرا لتعقد القضايا الحديثة، وتشابك أبعادها، الأمر الذي يستدعي
تعاون العلماء مع الخبراء في مجالات الاقتصاد والطب والتكنولوجيا وغيرها مما أدى
إلى بروز دور المجامع الفقهية والمؤسسات العلمية في إصدار الفتاوى الجماعية التي
تجمع بين الأصالة والواقعية.
وحتى يكون الاجتهاد المعاصر منضبطا بالشريعة الإسلامية،
لا بد أن يقوم على ضوابط شرعية راسخة في مقدمتها الالتزام بالنصوص الشرعية
القطعية، إذ لا اجتهاد مع النص، وإنما يكون الاجتهاد في المسائل الظنية أو
المستجدة التي لم يرد فيها نص صريح.
كما يعد مراعاة مقاصد الشريعة من أهم ضوابط الاجتهاد حيث
تقوم الشريعة على تحقيق مصالح العباد، وحفظ الضروريات الخمس: الدين، والنفس،
والعقل، والنسل، والمال.
فالاجتهاد الصحيح هو الذي يوازن بين المصالح والمفاسد،
ويحقق العدل والرحمة، ويخدم مقاصد الشريعة في واقع الناس.
كما أن فقه الواقع يمثل ركنا أساسيا في الاجتهاد
المعاصر، إذ لا يمكن إصدار حكم شرعي دقيق دون تصور صحيح للواقع، فالحكم على الشيء
فرع عن تصوره. ويضاف إلى ذلك مراعاة المآلات، إذ ينبغي للمجتهد أن ينظر في نتائج
الفتوى وآثارها المستقبلية حتى لا يؤدي الاجتهاد إلى مفاسد أكبر أو اضطرابات أشد.
كما أن الاجتهاد الجماعي أصبح من أهم الضوابط المعاصرة
خاصة في القضايا المعقدة التي تحتاج إلى خبرات متعددة.
ورغم أهمية الاجتهاد المعاصر، فإنه يواجه تحديات كبيرة
من أبرزها الجمود الفقهي الذي يتمثل في رفض الاجتهاد والتمسك بآراء قديمة دون
مراعاة تغير الزمان والمكان مما يؤدي إلى تعطيل الشريعة عن مواكبة الواقع. وفي
المقابل، تظهر فوضى الاجتهاد، حيث يتصدر بعض غير المؤهلين للفتوى دون امتلاك أدوات
الاجتهاد العلمية مما يؤدي إلى انتشار الفتاوى المتسرعة وغير المنضبطة.
كما يواجه الاجتهاد المعاصر تحديات سياسية وإعلامية تؤثر
أحيانا على استقلالية العلماء، إضافة إلى التحديات الفكرية المعاصرة التي تسعى إلى
إقصاء الشريعة عن الحياة العامة.
ويضاف إلى ذلك ضعف المؤسسات العلمية والفقهية في بعض
البلدان الإسلامية مما يحد من تطور الاجتهاد المعاصر، ويؤكد الحاجة إلى دعم هذه
المؤسسات، وتعزيز دورها في معالجة القضايا المعاصرة، وتأهيل العلماء القادرين على
حمل أمانة الاجتهاد في هذا العصر.
إن الأمة الإسلامية اليوم بحاجة إلى اجتهاد معاصر رشيد
يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويوازن بين الثبات والتجديد، ويستند إلى النصوص
الشرعية ومقاصد الشريعة، ويراعي متغيرات الواقع وتعقيداته.
فالاجتهاد المعاصر هو
السبيل إلى إبراز عالمية الإسلام، وإظهار صلاحيته لكل زمان ومكان، وهو أحد أهم
أدوات نهضة الأمة الإسلامية، واستعادة دورها الحضاري في عالم يموج بالتحولات
والتحديات.
إن الأمة الإسلامية اليوم في أمس الحاجة إلى اجتهاد
معاصر رشيد يجمع بين أصالة الشريعة وروح العصر، ويقيم التوازن الدقيق بين ثبات
الأصول ومرونة الفروع، ويستند إلى نصوص الوحي ومقاصد الشريعة الكلية مع وعي عميق
بمتغيرات الواقع وتعقيداته. فليس الاجتهاد المعاصر مجرد استجابة آنية لمستجدات
عابرة، بل هو مشروع حضاري متكامل يعيد للشريعة حضورها الفاعل في حياة الناس، ويمنح
الأمة القدرة على التعامل مع تحديات العصر بثقة وبصيرة.
ولا يتحقق ذلك إلا من خلال إعداد علماء مؤهلين تأهيلا
علميا راسخا، يجمعون بين الفقه العميق، والفهم الدقيق للواقع، وسعة الاطلاع على
المعارف المعاصرة.
كما يتطلب تطوير الاجتهاد المعاصر دعما جادا للبحث
العلمي الشرعي، وتعزيزا لدور المجامع الفقهية والمؤسسات العلمية، وتشجيعا للاجتهاد
الجماعي الذي يجمع بين خبرات العلماء والمتخصصين في إطار من التعاون والتكامل
بعيدا عن الاجتهاد الفردي المتعجل أو الفتاوى المنفصلة عن الواقع.
إن الاجتهاد المعاصر هو السبيل إلى إبراز عالمية
الإسلام، وإظهار صلاحيته لكل زمان ومكان، وهو أحد أهم مفاتيح نهضة الأمة
الإسلامية، واستعادة دورها الحضاري في عالم متغير يموج بالتحديات والتحولات.
وإذا التزم العلماء بضوابط الاجتهاد، وتحلوا بالحكمة
والبصيرة، فإن الاجتهاد سيظل أداة فاعلة في تحقيق مصالح الأمة، وصيانة هويتها،
ومواكبة تطورات العصر لتبقى الشريعة الإسلامية حاضرة في واقع الحياة، هادية
للبشرية، ومصدرا للعدل، والرحمة، والخير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
** المراجع:
المستصفى في علم الأصول – الإمام الغزالي
روضة الناظر وجنة المناظر – الإمام ابن قدامة
الاجتهاد في الشريعة الإسلامية – الدكتور يوسف القرضاوي
-150x150.jpg)