(اللَّهُمَّ، إنِكَّ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفوَ فاعْفُ عَنِّي) أسرار ومقاصد
بقلم: د. حسن يشو
أستاذ الفقه وأصوله بجامعة قطر وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
تمهيد:
لما كان حديث العفو مهيمنا على ليلة القدر من عدة نواحي؛ ناسب أن نفرده في هذا الباب؛ وهو تابع لما كتبته عن ليلة القدر –خصائصها مقاصدها وكيفية إحيائها-، لاستكشاف بعض الأسرار وبيان أفضالها ليستقيم حال المسلم الذي يحيي هذه الليلة ويتحراها ويجتهد في النيل من بركاتها والنهل من معينها الذي لا ينضب وفاقا لما تقتضيه تعاليم الشريعة الغراء.
نص الحديث:
عن عائِشةَ -رَضِيَ اللهُ عنها- قالت: "قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ إنْ عَلِمْتُ أيُّ ليلةٍ ليلةُ القَدرِ، ما أقولُ فيها؟ قال: قُولي: اللَّهُمَّ، إنِكَّ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفوَ فاعْفُ عَنِّي"[1].
والحديث عليه المدار في هذا الباب؛ لتضمنه صفة (العفو) وهي من صفات الله العالية، ثم هي من صفات عباده المخلصين. بل اسم الله (العَفُوّ).. فليس عجيبًا أن تتردد مادة (عفو) في تعاريج الحديث جزافا! ما جعلني أجعل من خصائص ليلة القدر أنها (ليلة العفو) كما هي ليلة القرآن وليلة تنزل الملائكة وليلة توزيع المقادير، وليلة السلام حتى مطلع الفجر!
رسالة الحديث:
- والدعاء -من حيث السياق والجو العام- منسجم تماما مع ما علل به النبي r تحري هذه الليلة؛ فقال: "خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى رجلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة"[2]. فلا يجوز التلاحي ولا المخاصمة والفجور والشحناء والحقد والشنآن؛ وهو ما يدعو إلى الصلح والعفو في حياتنا، حتى يعفو الله عنا بعد مماتنا.
- إن الله U عفُوٌّ يحب العَفو، ويُحب مِنْ عباده أنْ يَسْعوا في تحصيل الأسْباب الجالبة لعفوه وكرمه؛ والتي ينالون بواسطتها -مع توفيقه وتسديده جلّ في علاه- عفوه من السّعي في مرضاته، والإحْسان إلى خَلْقه ونبذ كل سخيمة مكدرة للقلوب.
- ولولا كمال عَفْوه، وسَعَة حِلْمه سبحانه، ما تركَ على ظَهْر هذه الأرض –محل الابتلاء- مِنْ دَابةٍ تدبُّ، ولا نفس تَطْرُفُ ألبتّة؛ فقال سبحانه: }وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ{ [النحل:61].
- وهي –كما في حديث العفو- دعوة صريحة للعبد الصالح الفقير إلى عفو ربه أن ينتفض على نفسه الأمارة بالسوء، وينفلت من أسرها، فارًّا إلى ربه ومولاها وكأن لسان حاله: "اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَن زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا"[3].
- فيه دعوة لإعلان حالة الطوارئ لهذه النفس في العشر الأواخر ومقاطعة كل مظاهر اللهو واللغو واللعب والمعصية والترفيه؛ بما يتناسب وشدّ المآزر، والارتماء بعدها في أحضان العناية الربانية والأنوار القدسية الرحمانية؛ علّنا نحظى ببعض ألطافه U وشآبيب رضوانه في هذه الليلة المباركة.
- حين ندلف للعشر الأواخر؛ فكأن لسان حالها: "مضى معظم الشهر وبقي أعظمه!".
- واستشعار كلام موزون مسؤول هو: "ألا وإن شهركم قد أخذ في النقص؛ فزيدوا أنتم في العمل!".
- ونتفيأ ظلال هذه المقولة: "قد أمن الحرمان من سأل الرحمن!".
- ومِنْ كمال عفوه: أنَّه مهما أسْرف العبدُ على نفسه، ثم تابَ إليه ورجع؛ غَفرَ له جميع جُرمه، كما قال تعالى: }قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ{ [الزمر: 53].
- قال ابن رجب الحنبلي والقلب إذا قلّت خطاياه؛ أسرعت دمعتُه!
- قال ابن القيم: فإن كنت تدعو وتزاحمت عليك حوائجك؛ فاجعل كل دعائك أن يعفو الله عنك، فإن عفا عنك؛ أتتك حوائجك من دون مسألة.
سرُّ سؤال العفو:
والسر في هذا لأن أحدًا منّا لا يطيق عذاب الله مطلقا إن لم يعفُ عنه الله U؛ لما رواه أنس بن مالك t: "أنَّ رَسولَ اللهِ r عَادَ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ قدْ خَفَتَ فَصَارَ مِثْلَ الفَرْخِ، فَقالَ له رَسولُ اللهِ r: هلْ كُنْتَ تَدْعُو بشَيءٍ، أَوْ تَسْأَلُهُ إيَّاهُ؟ قالَ: نَعَمْ؛ كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ ما كُنْتَ مُعَاقِبِي به في الآخِرَةِ، فَعَجِّلْهُ لي في الدُّنْيَا، فَقالَ رَسولُ اللهِ r: سُبْحَانَ اللهِ! لا تُطِيقُهُ -أَوْ لا تَسْتَطِيعُهُ- أَفلَا قُلْتَ: اللَّهُمَّ آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً، وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، قالَ: فَدَعَا اللهَ له، فَشَفَاهُ"[4].
العفو من صفات المتقين:
قال الله تعالى : }وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين{ [آل عمران: َ133-134]. قوله تعالى: }وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ{ يدخل في العفو عن الناس، العفو عن كل من أساء إليك بقول أو فعل؛ لأن العفو ترك المؤاخذة مع السماحة عن المسيء.
وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى:
والعفو عن الناس سبيل المحسنين، قال تعالى: }وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى{ [البقرة: 237]، يقول السعدي في تفسير الآية: "أي رغّب في العفو وأن من عفا كان أقرب لتقواه لكونه إحسانا موجبا لشرح الصدر، ولكون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان والمعروف وينسى الفضل الذي هو أعلى درجات المعاملة، لأن معاملة الناس فيما بينهم على درجتين:
1- إما عدل وإنصاف واجب وهو أخذ الواجب وإعطاء الواجب.
2- وإما فضل وإحسان وهو إعطاء ما ليس بواجب والتسامح في الحقوق.
فمن عفا وأصلح فأجره على الله:
قال تعالى: }فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ{ [الشورى: 40].
وهذا إنما يكون ممن تحلى بالأخلاق الجميلة، وتخلى عن الأخلاق الرذيلة، وممن تاجر مع الله، وعفا عن عباد الله رحمة بهم، وإحسانا إليهم، وكراهة لحصول الشر عليهم، وليعفو الله عنه، ويكون أجره على ربه الكريم، لا على العبد الفقير، تماما كما قال سبحانه: }فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ{.
سر علاقة (العفو) بليلة القدر:
اعلم أن اسم الله (العفو) قد أتى في القرآن مع الذنوب الكبيرة والرهيبة، وأضرب ثلاثة أمثلة:
المثال الأول: عبادة العجل وهو ذنب عظيم؛ وهو أمر غير عادي، لا يحتاج إلى توبة عادية فقط؛ ومع ذلك جاء العفو من رب العزة لهذا الخطب الجلل؛ قال تعالى: }وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ{ [البقرة: 51- 52].
المثال الثاني: التولي يوم الزحف في غزوة أحد، وما أقبحه وأشنعه! ما يحتاج لتوبة صارمة نصوح، ومع ذلك جاء العفو لهذا الخطب الجلل؛ قال تعالى: }إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ مِنكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِبَعۡضِ مَا كَسَبُواْۖ وَلَقَدۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ{ [آل عمران: 155].
المثال الثالث: المصائب التي تصيب الإنسان وذنوبه الكثيرة من خلال قوله تعالى: }وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ{؛ فارتبط العفو بكثرة السيئات؛ قال سبحانه: }وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ{ [الشورى:30].
إن الذنب الكبير، والمعصية العظيمة؛ كل ذلك يحتاج إلى عفو ممن اسمه (العفُوّ)، ولما كان الأمر كذلك كانت ليلة القدر لعظم شأنها، ولما فيها من عفو كبير من رب غفور؛ ناسب أن تكون ملاذا لكل المذنبين حتى يتوبوا إلى الله من المعاصي العظيمة؛ فهم –إذًا- أمام ليلة عظيمة تجب ما قبلها، وتزيل العقوبة، وترسخ التوبة، والرجعة الصادقة إلى الله تعالى فتأمل!
هذا وأن ثمة علاقة أخرى بين العفو وليلة القدر، عند تعليل تسميتها بليلة القدر؛ لأن فيها أمرًا قدريا؛ فيها يُفرق كلُّ أمر حكيم أمرًا من عند الله؛ فيها تقدّر أرزاق العباد وآجالهم وسعداء أم أشقياء، للعام القادم، فما أجمل أن تكون ليلة تقدير وضعك للعام الآتي: هي ليلة عفو؛ لتبدأ رحلتك بهمة عالية ونشاط وحيوية مع العام الجديد وأنت نقي بريء طاهر.
قال ابن رجب: وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر؛ لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملا صالحا ولا حالا ولا مقالا فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر قال يحيى بن معاذ: ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو.
كان مطرف يقول في دعائه: اللهم ارض عنا فإن لم ترض عنا فاعف عنا
وكان بعض السلف يقول في دعائه: اللهم إن ذنوبي قد عظمت فجَلَّت عن الصفة، وإنها صغيرة في جنب عفوك فاعف عني.
وقال آخر: جرمي عظيم وعفوك كثير، فاجمع بين جرمي وعفوك يا كريم.
الله يحب العفو ويحب العافين:
إن الله تعالى –لا محالة- يحب العفو، ويحب العافين عن الناس؛ ما يجعلنا نلظُّ بـ "يا عفوّ يا كريم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا"؛ لما يأتي:
- عن ابن مسعود t أن النبي r قال: "إن الله تعالى عفو يحب العفو"[5].
- عن ابن مسعود t قال: "إن أول رجل قطع في الإسلام أو من المسلمين، رجلٌ أتي به إلى النبي r، فقيل: يا رسول الله، إن هذا سرق، فكأنما أُسِفَّ وجهُ رسول الله r رمادًا، فقال بعضهم: يا رسول الله؛ أي يقول: ما لك؟ فقال: "وما يمنعني وأنتم أعوان الشيطان على صاحبكم، واللهُ U عفُوٌّ يحبُّ العفو، ولا ينبغي لوالي أمر أن يُؤتى بحدٍّ إلَّا أقامه"، ثم قرأ: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 22][6].
- عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله، أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أدعو؟ قال: "تقولين: اللهم إنك عفوٌّ تحبُّ العفو، فاعْفُ عنِّي"[7].
زيارة كريمة قد تمحو عداوة بين أخوين:
كلامٌ نافع ماتعٌ يصبّ في مقاصد (العفو) خلال ليالي العشر الأواخر عامة وليلة (القدر) خاصة؛ يقول الشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله-:
وقع مرة بيني وبين صديق لي ما قد يقع مثله بين الأصدقاء، فأعرض عني وأعرضت عنه، ونأى بجانبه ونأيتُ بجنبي، ومشى بيننا أولاد الحلال بالصلح، فنقلوا مني إليه ومنه إلي، فحولوا الصديقين ببركة سعيهما إلى عدوين، وانقطع ما كان بيني وبينه، وكان بيننا مودة ثلاثين سنة.
وطالت القطيعة وثقلت علي، ففكرت يومًا في ساعة رحمانية، وأزمعت أمرا. ذهبت إليه فطرقت بابه، فلما رأتني زوجه كذبت بصرها، ولما دخلت تنبئه كذب سمعه، وخرج إليّ مشدوها! فما لبثته حتى حييته بأطيب تحية كنت أحييه أيام الوداد بها، واضطر فحيّاني بمثلها، ودعاني فدخلت، ولم أدعه في حيرته، فقلت له ضاحكُا: لقد جئت أصالحك! وذكرنا ما كان وما صار، وقال وقلت، وعاتبني وعاتبته، ونفضنا بالعتاب الغبار عن مودتنا، فعادت كما كانت، وعدنا إليها كما كنا.
وأنا أعتقد أن ثلاثة أرباع المختلفين لو صنع أحدهما ما صنعت لذهب الخلاف، ورجع الائتلاف، وإن زيارة كريمة قد تمحو عداوة بين أخوين كانت تؤدي بهما إلى المحاكم والسجون.
إنها والله خطوة واحدة تصلون بها إلى أنس الحب، ومتعة الود، وتسترجعون بها الزوجة المهاجرة، والصديق المخالف. اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
(العفُوّ) من أسماء الله الحسنى:
العفو هو اسم من أسماء الله الحسنى، على وزن فعول بصيغة المبالغة، ومعناه: الذي يمحو السيئات، ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريب من اسم الغفور. أي: أن الله تعالى كثير العفو، ومعنى العفو المحو، والتجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه، فالله تعالى هو العفو، الذي يمحو السيئات، ويتجاوز عن المعاصي ويزيل آثارها ويجتث شأفتها ويستأصل فعلها.
وأصله في العربية: عفا الشَّعر والنبت وغيرهما: كَثُر، ومنه قوله تعالى: }حَتَّى عَفَواْ{ [الأعراف: 95]. أي: كثُروا. وهو السر في كثرة عفوه وصفحه ورضاه!
ومنه قول العرب: عفت الريحُ المنزل، أي: محت معالمه؛ وهو سرُّ محو الله الذنوب ورفع العقوبة عن مقترفيها!
قال الطبري: "أي: إن الله لم يزل عفوًا عن ذنوب عباده، وتركه العقوبة على كثير منها ما لم يشركوا به"[8].
قال الزجاج: "والله تعالى عفوٌّ عن الذنوب، تاركٌ العقوبة عليها"[9].
قال الخطابي: "العَفْوُّ: الصَّفحُ عن الذنوب، وتركُ مُجازاة المسيء"[10].
قال السعدي: «العَفْوُّ، الغَفور، الغَفَّار الذي لم يزل، ولا يزال بالعفو معروفًا، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفًا، كل أحدٍ مضطرٌ إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطرٌ إلى رحمته وكرمه، وقد وعد بالمغفرة والعفو لمن أتى بأسبابها، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:82]"[11].
قال الحليمي: «العَفْوُّ، معناه: الواضعُ عن عباده تَبِعَات خطاياهم وآثارهم، فلا يستوفيها منهم، وذلك إذا تابوا واستغفروا، أو تركوا لوجهه أعظم مما فعلوا، فيُكفِّر عنهم ما فعلوا بما تركوا، أو بشفاعة من يشفع لهم، أو يجعل ذلك كرامة لذي حرمة لهم به، وجزاء له بعمله»[12].
قال ابن القيم في نونيته:
وَهْوَ العَفُوُّ فعَفْوُهُ وَسِعَ الوَرَى ** لَوْلاهُ غَارَ الأَرْضُ بالسُّكَّانِ[13]
وقال بعضهم " العفو هو أن تزول عن النفوس ظلمة الزلاَّت برحمته، ووحشة الغفلات عن القلوب بكرامته".
وقيل "العفو الذي أزال الذنوب من الصحائف، وأبدل الوحشة بفنون اللطائف".. إزالة، وعطاء.
يقول الإمام القشيري –رحمه الله-: " العفوُّ هو الذي يمحو آثار الذنوب، ويُزيلها بريح المغفرة، فهو يمحو الذنوب من ديوان الحفظة حتى إنّه يُنسيها من قلوبهم ومن قلوب المذنبين.. أو هو الذي يترك المؤاخذة على الذنوب ولا يُذكِّر بالعيوب".
موارد (العَفُوّ) في القرآن الكريم:
قد ورد في القرآن الكريم خمس مرات:
- في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء:43].
- وفي قوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء:99].
- وفي قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء:149].
- وفي قوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج:60].
- وفي قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة:2].
وفي الآيات البيّنات بيانُ واسعِ عَفوه ومغفرته وحِلمه ورضوانه؛ ما يجعلنا نتوسّل بها إليه U حتى يعفو عنا؛ بمحو سيئاتنا ورفع العقوبة عليها!
من موارد (العَفْو) في السنة النبوية:
ومنها:
- عن عائشة أنها قالت: «قلت: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَدْعُو؟، قَالَ: تَقُولِينَ: «اللهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي»[14].
- عن أبي بكر t قال: «قام رسول الله r على المنبر ثم بكى، فقال: سلوا الله العفو والعافية، فإن أحدًا لم يعط بعد اليقين خيرًا من العافية»[15].
- عن عبد الله بن عمر قال: «لم يكن رسول الله r يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: «اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بك أن أغتال من تحتي»[16].
وفي الأحاديث: بيانُ فَضلِ العفو العافيةِ وأنَّ فيها جِماعَ الخيرِ في الدُّنيا والآخرةِ.
الفرق بين العفو والمغفرة:
قال القرطبي: قال بعضُ العلماء: والفَرق بين العَفْو والغُفران، أنّ الغُفْران: سِتْرٌ لا يقع معه عِقابٌ، والعفو إنما يكون بعدَ وجود عَذَاب وعِتاب. وهذا مستبعد؛ لأن العوف يقتضي ترك العقوبة أصلا؛ وفي (المفْردات) للراغب: وقولهم في الدُّعاء: "أسْألك العفو والعافية" أي: ترك العقوبة والسلامة[17].
قيل إن العفو أبلغ من المغفرة، قال الغزالي: «العَفْوُّ: هو الذي يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي وهو قريب من الغَفور ولكنه أبلغ منه، فإن الغفران ينبئ عن الستر والعفو ينبئ عن المحو والمحو أبلغ من الستر»[18].
ويبقى العفو في حق الله تعالى عبارة عن إزالة آثار الذنوب بالكلية فيمحوها من ديوان الكرام الكاتبين محوًا تامًّا، ولا يطالبه بها يوم القيامة، بل ينسيها من قلوبهم؛ لئلا يخجلوا عند تذكيرها، ويثبت مكان كل سيئة حسنة، والعفو أبلغ من المغفرة؛ لأن الغفران يشعر بالستر، والعفو يشعر بالمحو، والمحو أبلغ من الستر كما لا يخفى فتأمل!
والشاهد في هذا الاستعمال العربي؛ تقول العرب: عَفَت الريحُ المنْزِل، أي: محَتْ مَعَالمه؛ ودَرَسَتْ آثاره. فالعافي عن الذّنب؛ كأنه مُبْطلٌ له مُذْهِب، فإذا عفا عن الذّنب؛ فقد أبْطله وذَهبَ به، فيكون اشتقاقه من هذا.
سر تسمية الله نفسه بالعفو:
- إن الله U ما سمّى نفسه بالعفو إلا من أجل أن يتفضل بكرمه اللّامحدود ورحمته التي وسعت كل شيء؛ أن يتفضل بالعفو عن عباده الذين أسرفوا! لذلك لقّن النبيُّ r أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها- أن تقول في أفضل الليالي –ليلة القدر-: "اللَّهمَّ إنَّكَ عَفوٌّ تُحِبُّ العَفوَ فاعْفُ عَنِّي".
- وَمِنْ حِكْمَةِ اللهِ U تَعْرِيفُهُ عَبْدَهُ أَنَّهُ لاَ سَبِيلَ لَهُ إِلَى النَّجَاةِ إِلاَّ بِعَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ، وَأَنَّهُ رَهِينٌ بِحَقِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَغَمَّدْهُ بِعَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَإِلاَّ فَهُوَ مِنَ الْهَالِكِينَ.
- فالله سبحانه وتعالى فتح لعباده باب التوبة، والمغفرة، والرحمة، والعفو، وهو –سبحانه- يعلم أنَّ عباده بين كرٍّ وفرٍّ؛ يصيبون ويُخطئون، يقبلون ويدبرون، يحسنون ويُسيئون؛ ذلك لأنَّ الله U ركَّب فيهم الشهوات ابتلاء، وما ركَّب فيهم تلكم الشهوات إلا ليرقوا بها إلى الله، لكنَّ هذه الشهوة إن لم يصحبها نورٌ من الله U ومنهجٌ قويمٌ تهتدي به فإنَّها لا محالة من أسلحة الدمار الشامل، فالشهوات بوابة للانسلاخ والتفسخ والانحلال.
- إذاً لا بدَّ من أن تكون التوبة من أجل أن تُرَمم، ولو تصوَّرنا أنَّ الله U لم يفتح باب التوبة، وإنسانٌ وقع في إساءة فماذا يفعل؟ يزدادُ إساءةً، يفجر؛ لأنَّه أيِسَ من رحمة الله وعفوه وكرمه؛ فلذلك من أسماء الله الحسنى العفوّ. ولولا انَّه U عفوّ ما فتح باب التوبة أبدا!
حظ العبد من (العفو):
إن التربية الإسلامية والتزكية السلوكية تستفاد عن أسماء الله الحسنى، بأن يكون للعبد حظ منها، فحين نقرأ اسم (العفو) فالمقصد أن اسم الله (العفو) يربي المسلمَ على أن يعفو عن الناس، ويتجاوز عنهم، لأن الذي يعفو عن الناس ويتجاوز عنهم حريٌّ بعفو الله ومغفرته، والجزاء من جنس العمل؛ قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22]، وقال تعالى: ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [البقرة: 237].
وصف سبحانه نفسه بأنَّه: }عفُوٌّ غفور{ مع قدرته على خَلْقه، وقَهْره لهم، وقد نبَّه خَلْقه إلى ذلك بقوله: }إِن تُبۡدُواْ خَيۡرًا أَوۡ تُخۡفُوهُ أَوۡ تَعۡفُواْ عَن سُوٓءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّٗا قَدِيرًا{ [النساء: 149]. أي: إنْ تقولوا للناس حُسْنًا وتُخفوا ذلك، أو تَصفحوا لمنْ أساء إليكم وتعفوا عنه، فإنَّ الله تعالى لم يَزل يعفو عنكم ويصفح، مع قُدرته على عقابكم؛ والانتقام منكم؛ وهنا سرُ الأسرار في اسمه (العفُوّ)! بمعنى: فاعْفوا يا عباد الله أنتم أيضًا عن الناس، كما أنَّ الله يَعْفو عنكم ويغفر لكم.
ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟
قال تعالى: }وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{ [النور: 22]. وقد نزلت في حق أبي بكر الصديق t؛ حين حَلَف ألا يُنفق على مِسْطح وهو من ذَوي رحِمِه، بعد أنْ خاضَ مع الخَائضين في حديث الإفْك، ونزل القرآن ببراءة الصِّدِّيقة رضي الله عنها. وقال تعالى: }وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى{ [البقرة: 237]. وقال: }وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ{ [الشورى: 40]. وقال سبحانه مخاطبًا نبيه r: }فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ{ [آل عمران: 159]. وحثَّ على قبول العفو، فقال: }خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ{ [الأعراف: 199]. ومَدَح بذلك عباده المؤمنين، فقال: }وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ{ [آل عمران: 134].
تدخل الجنة بعفوك عن أخيك:
عن أنس قال: بينما رسول الله r جالس؛ إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر: ما يضحكك يا رسول الله؟ فقال: "رجلان من أُمَّتي جثيا بين يدي ربِّ العزَّة، فقال أحدهما: يا رب، خذ لي مظلمتي من أخي، فقال الله تبارك وتعالى: أعط أخاك مظلمته، فقال: يا رب، لم يبق من حسناتي شيء، فقال الله للطالب: كيف تفعل ولم يبق من حسناته شيء، فقال: يا رب، يتحمَّل من أوزاري"، قال: وفاضت عينا رسول الله r بالبكاء، ثم قال: "إن ذلك يوم عظيم، يوم يحتاج الناس إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم، قال: فقال الله للطالب: ارفع رأسك، فرفع رأسه، فقال: يا رب، أرى مدائن من فضة مرتفعة، وقصورًا من ذهب مكللة باللؤلؤ، فلأي نبي، أو صديق، أو شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطى الثمن، قال: يا رب، ومن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه، قال: بم يا رب؟ قال: بعفوك عن أخيك، قال: يا رب، إني قد عفوت عنه، قال الله: خذ بيد أخيك فأدخله الجنة"، ثم قال رسول الله r عند ذلك: "اتقوا الله، وأصلحوا ذات بينكم؛ فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة"[19].
ما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بعَفْوٍ إلَّا عِزًّا:
عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: "ما نَقَصَتْ صَدَقةٌ مِن مالٍ، وما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بعَفْوٍ إلَّا عِزًّا، وما تَواضَعَ أحَدٌ للَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ"[20].
قال النووي: "وما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بعَفْوٍ إلَّا عِزًّا": فيه وجهان:
أحدهما: أنه على ظاهره، وأنّ مَنْ عُرفَ بالعفو والصّفح، سادَ وعَظُم في القلوب، وزاد عِزُّه وإكرامه. والثاني: إنّ المراد أجْرُه في الآخرة، وعزُّه هناك[21].
اللهم إني أسألك العفو والعافية:
عن عبد الله بن عمر أن النبي r قال: "اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ العفوَ والعافيةَ، في الدُّنيا والآخرةِ، اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ العفوَ والعافيةَ، في دِيني ودُنيايَ، وأهلي ومالي، اللَّهمَّ استُرْ عَوراتي، وآمِنْ رَوعاتِي، اللَّهمَّ احفَظْني من بينِ يديَّ، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمال، ومن فَوقِي، وأعوذُ بعظمتِكَ أن أُغْتَالَ مِن تحتي"[22].
وقد تكرر الدعاء من النبي r؛ لأهميته وحاجتنا إليه في الأيام العادية، ونحن أحوج إليه ونظائره في ليالي العشر الأواخر، وليلة القدر على الأخص!
عفا عنه رسول الله r:
وفي طرف الحديث الصحيح: ألَمْ تَسْمَعْ إلى ما قالَ أبو حُبَابٍ – يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بنَ أُبَيٍّ – قالَ كَذَا وكَذَا قالَ: اعْفُ عنْه يا رَسولَ اللَّهِ واصْفَحْ، فَوَاللَّهِ لقَدْ أعْطَاكَ اللَّهُ الذي أعْطَاكَ، ولَقَدِ اصْطَلَحَ أهْلُ هذِه البَحْرَةِ علَى أنْ يُتَوِّجُوهُ، فيُعَصِّبُونَهُ بالعِصَابَةِ، فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذلكَ بالحَقِّ الذي أعْطَاكَ شَرِقَ بذلكَ، فَذلكَ فَعَلَ به ما رَأَيْتَ، فَعَفَا عنْه النبيُّ r"[23].
الواجب أن نطلب عفو الله على كل حال:
نزولا عند قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286].
عن عوف بن مالك t أنه قال: "سمِعت رسول الله r يصلي على ميت، فسمعت من دعائه وهو يقول: "اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله، وأوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقِّه من الخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدَّنَس"[24].
فوائد العفو والصفح:
1- في العفو رحمة بالمسيء، وتقدير لجانب ضعفه البشري، وامتثال لأمر الله، وطلب لعفوه وغفرانه.
2- في العفو توثيق للروابط الاجتماعية التي تتعرض إلى الوهن والانفصام بسبب إساءة بعضهم إلى بعض، وجناية بعضهم على بعض.
3- العفو والصفح عن الآخرين سبب لنيل مرضات الله سبحانه وتعالى.
4- العفو والصفح سبب للتقوى قال تعالى: }وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُم{ [البقرة: 237].
5- العفو والصفح من صفات المتقين، قال تعالى: }وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ{ [آل عمران: 133- 134].
6- من يعفو ويصفح عن الناس يشعر بالراحة النفسية.
7- بالعفو تُنال العزة، قال r: " وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا.."[25].
8- العفو والصفح سبيل إلى الألفة والمودة بين أفراد المجتمع.
9- في العفو والصفح الطمأنينة، والسكينة، وشرف النفس.
10- بالعفو تكتسب الرفعة والمحبة عند الله وعند الناس[26].
سؤال الله العفو.. والعفو عن الناس من خلُق السلف:
- والحديث الذي نحن بصدد تحليله وتعليل مفرداته؛ أن أمنا عائشة –رضي الله عنها- وهي أقرب الناس إلى رسول الله r وخصوصياته؛ تسأله عن أفضل دعاء ومسألة إن هي أدركت ليلة القدر يقينًا؛ فأخبرها بما لا يقبل التردد وأدنى شك بسؤال الله تعالى العفو مع الاعتراف بأنه العفُوّ فتأمل! لذلك كان ديدن النبي r هذا الدعاء، وديدن الصحابة من حوله وكل السلف الصالح!
- وهذا الفضيل بن عياض أحد التابعين، يوم عرفة وهو يوم عفو مثل ليلة القدر، وقف يدعو: يا رب، اعف عني، اعف عني، فلما غربت الشمس بكى، والأصل أن يحسن الظن بالله ويستبشر، فسألوه: ألست مَنْ تُعلِّمنا حُسْنَ الظنِّ بالله؟ فقال: "لست أبكي لذلك؛ ولكن واخجلاه! واحيائي منه وإن عفا!".
- يقول سليمان الدارني أحد التابعين: "لئن سألني يوم القيامة عن ذنوبي لأسألنَّه عن عفوه؛ لأني لا أجد لي مخرجًا إلا أن أسأله عن عفوه".
- عن أنس t قال: كنت أمشي مع رسول الله r
-150x150.jpg)