إضرابُ الجُوع والإمعان الحقوقي
أ. د. نورالدين بن مختار الخادمي
ﻋﻀﻮ ﻣﺠﻠﺲ ﺍﻷﻣﻨﺎﺀ ﻟﻼﺗﺤﺎﺩ
قدْ يَستغربُ المَرْء في “إضراب جُوع” من لُجوء المُضْرب إليه واستمراره فيه وإصراره عليه. والجوابُ الذي يَتبادرُ إلى الذّهن ممن لم يُجربه أو سمع عنه، أنّ القوة المعنوية التي تَدْفع إليه لا يَقْدرها إلا من تلبّست به وتمكنّت منه، وأمدّتهُ بثباتٍ على أرضٍ وهو خارج منها، وصلابةِ جسد وأمعاؤه خاوية، ونَفسٍ من شوائب الدنّيا خالية. وما نَتبلّغُه من حكايات الإضراب ومواقف المُضربين في أيّام الإضراب وأسابيعه وشُهوره، لدليلٌ كبيرٌ على حجم الإباء الذي يكون عليه المُضرب رغم ضُعف الجسد وفراغ المعدة وتراجع الوزن واختلال شُروط الحياة المادية والطاقية… ودون جدل فكري أو فقهي* أو مجادلة لمُهاترة ومُكابرة، أكتفي بزوايا النظر إلى فعل الإضراب عن الطعام، أو “الإضراب عن جوع الأمعاء والبطون والإمعان في إشباع القيم والحصون”.
من زوايا هذا الإمعان الإضرابي الحقوقي:
1- زاويةُ الفِطْرة الحُقوقيّة الأصليّة الجِبليّة التي أودعها الله في نفس الإنسان منذ الكلمة الأولى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، فهذا المخلوق المُكـرّم بفِطْرة الخلق وتكريم الخالق، لن يحدّها طارئ حياة أو حادثُ سياق في مقاومة ضيم ومواجهة تحدّ وإبداع حركة في حبس وصنعِ حراك في كبت…
2- زاويةُ المبدأ الفلسفيّ والرؤية الفكريّة التي يتبنّاها الفاعل الإضرابي ويَعتقدها نظاما ونمطا ومنهجا ومسارا، وهو ما يَحمله على تذوّق طعم الإضراب رغم معاناته ومخاطره، والاضطرار إليه انتصارا لكرامته وإعزازا لحريته وحقوقه. والذائقة الإضرابية غالبة مُنتصرة على الضائقة الحقوقية. وهُـنا تَلتقي الإنسانية المظلومة في الحمل على عقائدها وخلفياتها لفعل إضرابي تَختلف قصوده وتتعدّد أشكاله وتجتمع على مشترك الإمعان الحقوقي والإبداع التحـرّري التقدّمي، وهو الذي يُحيلنا إلى قوافل المُضربين في الشرق والغرب، في بلاد المسلمين وغير المسلمين، من مسلمين ومسيحيين وغير متدينين، ودون أن ننسى فلسطين ومجموع ميادين لتحرر من الاضطهاد مبين… إنه المشهد الإضرابي المشترك الذي يمثل جُزءًا من المشترك الإنساني الفِطْري الحقوقي. وتنضاف إلى هذا الأساس المبدئي للفعل الإضرابي المراكمةُ النضالية للفاعل الإضرابي ومساره الطويل أو القصير في الابتلاء بأنواعه وإكراهاته ومِحَنِه ومِنَحِه وآفاقه المبشّرة، وكما قال الشافعي: “الأمر إذا ضاق اتسع”. والتجارب تقول: إن المُبتلَى إلى العافية يسير ويصير، و﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ كما فـي مُحكم التنزيل.
3- زاوية الحلم الحياتي والأمل بالعيش الكريم في صحة وتنمية وتعليم وثقافة وفنون وإعلام، وفي منظومات رقمية وطاقية وزراعية وتجارية… والحياة العادلة في حكم ومعارضة وسكون وانتفاضة، ومواطنة ومثاقفة. وحلمُ الإنسان في شهادة الحياة لا يقل عن شهادة في موت دِفاعًا عن حقّ ودَفْعًا لظُلم ورفعًا لضَيْم وبَغي…
4- زاوية التضامن الإضرابي والتآزر الحقوقي والأخلاقي والأدبي مع الفاعلين الإضرابيين بإمعان وإيمان، فهذا يُعـزّز الرّوح المعنوية للحراك الإضرابي والنضالي، ويُنتج المعنى والرَّمز والأجر والأثر، ويَذْهَبُ بالفعل الإضرابي إلى آماده ومآلاته الـمرتقبة، كما يحكي التاريخ القريب عن مضربين أمعنوا في إضرابهم وألزموا خصومهم بالإذعان والاستجابة للإمعان… وحكايات هذا التاريخ إنسانية تتجاوز اللون والجغرافيا وخلفية الفكر والسياسة وشائبة التوظيف والتحريف… ومجموعها راجع إلى البصمة الخَلْقية الأولى في سجلات الكرامة الإنسانية بإرادة الخالق الواحدة… أما التاريخ البعيد العميق فأمره عند الناظرين الأنقياء يتصفّحون المرويات والحفريات لكتابة صفحات للدنيا والصحائف في الآخرة…
5- زاوية التأسيس العلمي والعملي لفعل الإضراب موضوعًا لعُلوم القانون والفِقْه والنّفس والمجتمع والدولة، والفعل هنا هو التصرف الإضرابي ومتعلقاته كالدعم الإضرابي والإعلام الإضرابي والتآزر والتفاخر والتناصر، فهذا الفعل بالتعبير العلمي الجامعي يمثّـل موضوعا لأحكام القانون والفِقْه والنّفس والمجتمع… وهو ما يَفتح قرائح المتقنين للعلم للبيان والإفصاح والتحقيق والإيضاح، إلى أن يتحقق وعد الله ووعيده، ناصر المستضعفين وفالق الإصباح. اللّهم افتح للمدافعين عن حقوقهم فتحا مبينا وانصرهم نصرا عظيما، آمين.
_______________________________
* إضراب الجوع من منظور فقهي قضية مهمة جديرة بالنظر والتحقيق، كما هي كذلك من منظور قانوني واجتماعي وفلسفي ونفسي ونحوه.
-150x150.jpg)