آخر الأخبار

لن يحولَ شيءٌ بيني وبين الله

شارك المقال على :

بسم الله
الرحمن الرحيم

لن يحولَ شيءٌ بيني وبين الله

بقلم: د. محمد أكرم الندوي

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

          وهب الله بني آدم العقول والحجى،
والبصائر والنهى، وجعل لهم الآلاء والآيات، ونصب لهم الدلائل والأمارات، وأقام
الحجج الظاهرة والبينات، وأنعم عليهم بمنازل القرب، وثياب الخلة والحب، فهو ربي،
ولن يحولَ شيءٌ بيني وبينه؛ لأن الصلة التي تربطني به ليست طريقًا تسده الحواجز
والعقبات، ولا جسرًا تهدمه السيول والفيضانات، ولا شجرا تعصفه الرياح العاتيات، إن
تلك الصلة لإيمان ثابت في العقل، وتوكلٌ راسخٌ في القلب، ويقين إذا استقرّ في
المؤمن صار أقوى من كل ما حوله، فمن عرف الله، لم يفصله عنه شيء، مهما اشتدّت
المحن، أو تكاثفت الظلمات.

إنه ربي
أغناني عن الملوك والأمراء، وزهَّدني في السلاطين والرؤساء، إنه معي، ولن أخرج من
سلطانه، وهل يأبق الإنسان من ملك ربه، فيخرج من أرض له وسماء؟

ليست
معيّته فكرةً تُتلى في الكتب، ولا عبارةً تُستحضر عند الضيق ثم تُنسى عند السَّعة؛
إنها حقيقةٌ تُعاش، وواقع يلمس، هو معي في بيتي، تتسع روحي بحضوره، ومعي حين أغلق
الباب على نفسي، ومعي حين أفتح الباب على الناس، ووسط ضجيج العالم وتقلب وجوهه،
وفي الخلوة حيث لا شهود إلا الله، وفي الجلوة حيث تتصارع المبادئ مع المصالح،
فالمواهب كلها عارية، ومن السفاهة غبطة بعطائها.

انفرد
مولاي بسلطانه، فما له في كل حال كفاء، وما خفيت قدرته عن أحد، وهل لها عن ذي رشاد
خفاء، إذا خفتت الأصوات ارتفع صوت اليقين. وإذا سُلبتُ حريتي، وبُسطت عليّ القيود،
فلا أسمع إلا صوت ربّ العالمين؛ صوتًا لا يُقاس بعلوٍّ ولا يُحجب بسور، يعلّمني أن
الحرية ليست في الأبواب المفتوحة، بل في القلوب العامرة بالإيمان، وفي السجن، حيث
يظن الناس أن الإنسان يُسلب كل شيء، يكتشف المؤمن أن أقرب الأشياء إليه لم تُسلب:
أزوفه من الله واتصاله به، فكيف يحول السجن بين عبدٍ وربّه، وربّه أقرب إليه من
نفسه؟

وإن وقع
المؤمن في قبضة الأعداء، وعانى الوجوه العابسة والقلوب القاسية، رأى ربه قبل أن
يراهم؛ رأى عدلًا يحيطه فلا يُظلم، وحكمةً تدبّر أمره فلا يضيع، ورحمةً تسبق بطش
البطشين فلا ينكسر، إن قوة الأعداء لا تقطع الصلة بالله، وأن سطوتهم لا تُلغي
معيّته، ومن كان الله معه، فلن يغلبه أحد، وإن تساقط عليه الناس جميعًا.

وإن
أُلقي المؤمن في بئرٍ مظلم، حيث يختلط الخوف بالصمت، وتغيب الوجوه الآنسة، وتسقط
الأماني، وجد ربه معه، ولم يغب عنه النور، بل كان أشد ضياء. وهناك، حيث تتهاوى
الأسباب واحدًا تلو آخر، ينهض التوكّل خالصًا، بلا شوائب ولا ادعاء. وحيث ينقطع
الرجاء في الخلق، يتوثق الرجاء بالخالق والتوسل إليه في خشوع وتضرع، فيعلم القلب
أن الله لا يُدرَك بالحواس، بل يُدرَك باليقين، وأن القرب منه لا يحتاج إلى نور
العين، بل إلى صفاء القلب.

إن ربي
معي في السراء والضراء، في الفرح والحزن، في القوة والضعف. يربّيني على أن النعمة
امتحان كما أن الشدّة امتحان، وأن الغنى قد يكون فتنة كما أن الفقر قد يكون رفعة،
وأن الشكر صبرٌ في ثوب ابتهاج، وأن الصبر شكرٌ في ثوب دمعة، يعلّمني أن القرب
الحقيقي من الله لا يُقاس بما أملك، بل بما أكون عليه حين أفقد، ولا بما أفرح به،
بل بما أثبت عليه حين أحزن.

إن معيّة
الله ليست وعدًا مؤجّلًا، ولا أملًا مؤخرًا إلى غدٍ مجهول، بل حضورٌ دائم في كل
لحظة. تُقنع العقل لأنها تقوم على سننٍ لا تتخلّف: من صدق الله صدقه الله، ومن
توكّل عليه كفاه، ومن سلّم له الأمر هداه إلى سواء السبيل. وتنفذ إلى القلب لأنها
تُشعر الإنسان أنه ليس وحيدًا في هذا الكون الواسع، بل إن وراء كل خطوة عينًا
ترعى، ووراء كل ضعف قوّةً تسنده، ووراء كل ألم حكمةً لا تخطئ.

فإذا علم
الإنسان أن الله معه، هان عليه ما يفقد، وسهل عليه ما يُقبل عليه. لا تغويه القوة
إن امتلكها، لأنها لا تُبعده عن الله، ولا يُفزعه الضعف إن أصابه، لأنه لا يقرّبه
من اليأس. يمشي ثابتًا لأن جذوره في السماء، لا في الأرض، ويبتسم لأن في الغيب
ربًّا يدبّر، ويطمئن لأن للكون إلهًا لا ينسى عباده، ولا يخذل من احتمى به.

لن يحولَ
شيءٌ بين المؤمن وبين مولاه؛ لا خوفٌ، ولا سجنٌ، ولا عدوٌّ، ولا فقرٌ، ولا فقدٌ،
ولا ظلمة. ما دام إليه يتوجّه، وعليه يتوكل، وبه يستعين، فإن كل ما في الكون يصبح
جسرًا لا حاجزًا، وطريقًا لا سدًّا، وسببًا يقوده إليه لا يفصله عنه.

تلك هي
الحقيقة التي تحيي القلوب، وتوقظ العقول، وتحرّك المشاعر، وتجعلني قويًّا بالله،
مطمئنًّا به، ماضيًا في طريقه، ولو سرت وحدي، وإن موتا يدنيني من ربي، وينزلني
منازل القرب والجوار من مولاي لخير من اليسر وطول البقاء.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان