سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة
(الحلقة
الأولى)
بقلم: التهامي
مجوري
عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين
مدخل عام
إن ميلاد
الأمة الإسلامية في مدينة رسول الله بعد الهجرة إليها، وبناء مؤسسات المجتمع
والدلة بها، ونشأة نظام الخلافة على منهاج النبوة، ثمرة لجهود مضنية وتضحيات
كبيرة، قام بها النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه في مكة المكرة، طلية ثلاث وعشرين
سنة، وهي السنوات التي قضاها النبي صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة، مبشرا
بالدين الجديد الذي جاء به، وبالنظم التي قررها والقيم التي زكاها، بدءا من
التصورات المبدئية والبدهيات التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمن، وانتهاء بإقامة
المجتمع المسلم، بجميع مؤسساته الثقافية والاجتماعية والسياسية.
وخلال
هذه الفترة من السنوات، لم تكن “الأمة” في مراحلها الأولى خاصة، إلا
مجموعة من الأفراد ينتمون إلى عقيدة واحدة، وجماعات قادمة من قبائل مختلفة ومتنوعة
لها تصوراتها التي تربت عليها، وقيمها التي عاشت بها قبل ذلك، التحقت بهذه الدعوة
الجديدة بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد بدأت ببعثته صلى الله عليه
وسلم في مكة، ولم يكتمل صورتها النهائية كأمة، إلا بنهاية الرسالة، يوم قرر الله
ذلك (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ
نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ) [المائدة
3].
وقد شهدت
هذه المدة الزمنية المحدودة رغم قصرها، الكثير من التحولات، على مستوى الأفراد،
وعلى مستوى الجماعة التي تشكلت حديثا، ولم تكن تلك الفترة فيما شهدت من حراك مستمر
ومتتابع ومتنوع، على مستوى واحد من النضج والاهتمام، وإنما كانت متفاوتة في ذلك، فتمت
التحولات بجرعات مناسبة للمراحل التي تمر بها الجماعة، ومعالجات للقضايا المثارة
على الساحة فاعلة ومناسبة أيضا، في جميع المجالات والقيم التي تم تثبيتها أو تقرر
تعديلها أو إلغاءها، من قبل النظام الجديد الذي أسس له محمد صلى الله عليه وسلم، بالتوجيه
والتربية والتعليم وتسجيل المواقف أيضا.
فتم خلال
هذه الفترة الوجيزة غزو الجزيرة العربية بقيم الدين الجديد ومعتقداته ونظمه؛ بل
انتقلت هذه الحركة من جزيرة العرب إلى خارجها، بوصف هذه الرسالة وهذه الأمة
المكلفة بحملها، لم تكن مجرد امبراطورية محكمة التنظيم والقوة والقدرة على
الامتداد، وإنما هي دعوة للعالم وإلى بناء حضارة على أسس استخلافية رتشدة أكثر
متانة، من جميع التجارب السابقة.
فبدأت
رحلة الامتداد من رحلة الاسراء من مكة إلى القدس (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ
مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الإسراء 1]، التي تنبئ بعالمية الرسالة[1] وحضاريتها للناس كافة،
وانتهاء بمراسلات النبي لقيادات العالم يومها -فارس والروم خاصة-، فتم بفضل ذلك تحريك
عواطف الناس الجافة من المقيمين بمكة والمدينة أو القادمين إليهما من الضواحي
المجتورة، كما تم استفزاز قوى أخرى من فئات المناوئين لهذا الدين الجديد من
المشركين والمنافقين واليهود.
وكل ذلك تم
في ظل تحولات مشاهدة ومحسوسة وملاحظة في حياة الناس، وفي الواقع المعيش، واستمر
تطور تلك الأفكار في نفوس الناس، وفي تحريكها للواقع شيئا فشيئا، بادية للعيان
قيما مرتبة بحسب الأهمية والأولوية والمستوى في السلم القيمي…
ففي
المرحلة المكية مثلا، كان التركيز منصبا على الأصول التي تبنى عليها التصورات
العقدية والفكرية وبناء القيم الحضارية الثابتة، التي تؤسس لما بعدها من القيم
التي تُسيِّر حياة الناس، كما كان التذكير بالأقوام السابقين والنبوات السابقة
والشرائع التي جاءوا بها، مما يعرف الناس في غالب الأحيان، ولا يختلفون فيها، ولكن
ربما غفلوا او نسوا فذكروا… فكانت معالجات ذلك الواقع بصيغ جديدة غير مألوفة في
العرف الجاهلي، بسبب ربطها بقيم التوحد الثابتة، قد يكون بعضها مستنكر ومستهجن في
عرف أهل مكة الجاهلي، مثل ربط عقيدة التوحيد بالعمل الصالح، واستبعاد الشرك من
الحياة الثقافية والعقدية، وتطويع الحياة القبلية للقيم الحضارية الراقية…إلخ،
ولكن ذلك كان من الأسس التي حرص القرآن على تثبيتها مهما كان موقف المشركين منها.
أما في المرحلة
المدنية فالأمر كان مختلفا، بفضل تطور التصورات التي بنيت ورتبت في مكة، وبفضل
اختلاف مجتمع المدينة عن المجتمع المكي في أعرافه وعاداته وتقاليده، فقد كان
المجتمع المدني أقل صدامية للواقع الجديد من المجتمع المكي، وربما لذلك سهل على
أهل المدينة احتضان الرسول صلى الله عليه وسلم، على خلاف أهل مكة الذين ضيقوا عليه
حتى اضطروه إلى الخروج من مكة.
كما المجتمع
المدني من الناحية الاجتماعية أكثر انضباطا وتفاعلا مع الحياة الجديدة، كما كانت
الدعوة أكثر اهتماما بتفاصيل الحياة: إقرارا ونفيا وتوجيها وتخطيطا وتشريعا، حيث
كان التركيز فيها على بناء المؤسسات والنظم والتشريعات للحياة اليومية، ولذلك كانت
متسمة بالتركيز على القوانين وتفاصيل الحياة التعبدية: اجتماعية وفردية.
وهذا
الميلاد الذي كان اكتماله في صورته النهائية في المدينة المنورة، لم يكن مفصولا عن
أنشطة وجهود سابقة على أيد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
فالخبرة
النبوية منذ بداياتها بجد الإنسانية كلها سيدنا آدم عليه السلام، وما بعث الله من
أنبياء بعده، كانت كلها رسالات سماوية بأصل واحدة، لا فرق بينها في المضامين الكلية
والغايات الكبرى (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ
وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ
لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ
غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [البقرة 285]، باعتبار هؤلاء الأنبياء جميعا حملة لرسالة
التوحيد إلى البشرية عامة، وإن اختلفت في الشرائع وفي محدودية بعضها في الزمان أو
المكان أو المضامين التربوية المتنوعة الخاصة بالأقوام الذين أرسلت إليهم، وكما
جاء في الحديث: “أنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه
نبي، والأنبياء إخوة، أبناء علات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد”[2]؛ لأن جوهر الرسالة واحد
ومبادئه الكلية واحدة وقضاياه الكبرى حضارية واحدة، ولذلك اعتبر الرسول صلى الله
عليه وسلم بنيان الصرح الإسلامي واحدا “إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي،
كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس
يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم
النبيين”[3].
يتبع
[1]– أبو اتلحسن علي الحسن الندوي، السيرة النبوية
[2]– أخرجه البخاري ومسلم
وأبو داود، عن أبي هريرة،
جامع الأصول، رقم 6321
[3]– أخرجه الشيخان، عن أبي هريرة،
جامع الأصول، رقم 6340
-150x150.jpg)