آخر الأخبار

غزة منارة الأمل والصمود الإنساني

شارك المقال على :

بسم الله الرحمن الرحيم،

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد
وآله وصحبه، وإخوانه وحزبه

غزة
منارة الأمل والصمود الإنساني

بقلم:
بن سالم باهشام

عضو
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

مقدمة

لقد عجز
العالم كله، أن يمد سكان غزة بالطعام والشراب والدواء، نتيجة الحصار والدمار، أكثر
من سنتين، رغم مساحتها الصغيرة، وقلة عدد سكانها الذي لا يتجاوز المليوني نسمة والنصف،
إلى درجة أن أهلها أصبحوا يموتون بالعشرات يوميا جوعا وعطشا ومرضا، بل إنهم لم
يجدوا خيرا حتى في جيرانهم المسلمين من حكام العرب الذين أوصدوا الأبواب في وجوههم،
ولم ينتفضوا لنصرة إخوتهم، فإذا كانت المخدرات المدمرة للبشرية، والممنوع ترويجها
وتداولها، تمرر من دولة إلى دولة، ومن قارة لأخرى، رغم كل المراقبات الدولية المشددة،
لقوة إرادة تجارها، فأين إرادة البشرية جمعاء، لإمرار الطعام والشراب والدواء النافع
وغير المحظور؟، كيف لا يمررون الطعام والشراب والأدوية لإنقاذ أرواح سكان غزة
المظلومة والمحرومة والمكلومة، اسمعوا إلى غزة وهي تصرخ وتئن وحدها بسكانها
وطبيعتها ومخلوقاتها
وتبكي، ودموعها أنهار دماء، حتى أبكت الصخور، ولم تهزّ عروش
السلاطين، فأي قلوب تملكين يا أمة العرب؟ وأي نوم هذا فوق صرخات الأطفال؟

يا أيها
الناس لا تبكوا على شعب *** أبكى الصخور ولم يبك السلاطينا

كل
البلاد بوجه غزة مقفلــــــــــــــــــــــــــــــــة *** إلا السماء
نراها
رحبـــــــــــــــــت فيـــــــــــــنا[1]

ورغم التجويع القاتل، والدمار
الشامل، فإن سكان غزة العزة، يعتبرون مدرسة لسكان العالم في الأمل، حتى إن اليأس
لا يعرف إلى قلوبهم سبيلا، شعارهم: ” الأمل
عبادة، واليأس معصية وانحراف”.

غزةُ يا
أرضَ العزِّ ما لكِ مثيـــــــــــــــــــــــــــلُ
 

صامدةٌ
في الحصار رغم الألمِ الثقيلِ
 

رغمَ
الجراحِ والألمِ والليلِ الطويـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلِ
 

شبابُكِ
في الميدان على العهدِ الوفيِّ الجميلِ
 

رجولةٌ
في قلوبِ الرجالِ تحكيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــها الأيامُ
 

وشهامةُ
الأهالي بها تزدهر الأشجارُ، والأحلامُ
 

رغم
القصفِ والدمارِ ما ينكسرُ همُّـــــــــــــــــــــــــهم
 

يدافعون
عن الأرضِ رغمَ الوحشيةِ وظلمهم
 

غزةُ
نورُ الأملِ في عيونِ الأحــــــــــــــــــــــــــــــــــــرارِ
 

كلُّ
قلبٍ فيها يكبُرُ وأملُه لا يختار الإنهارِ[2].

شعبُكِ
عنوانُ الصبرِ والكرامةِ والصــــــــــــــــــــــــــدقِ
 

وفي وجه
المحنِ يثبتُ رغم العواصفِ واللكدِ[3].

1 – معنى الأمل في اللغة والاصطلاح، وفي القرآن والسنة وكتب التراث
الإسلامي

أ – معنى الأمل في اللغة

إذا كانت
غزة مدرسة الأمل، تلقن العالم معنى التفاؤل، فما هو الجانب النظري للأمل، قبل أن
نراه مجسدا على أرض الواقع، في بشر لحقهم من أنواع الاضطهاد والظلم والقهر ما
لحقهم، ورغم ذلك لم يستسلموا ولم يرفعوا راية بيضاء؟ الأمل في اللغة هو “الرجاء”،
وتوقّع ما هو محبوب،  وغالبًا ما يُستخدم
في انتظـار الأمور التي يُستبعَد حصولها، وجمعه “آمال”، وهو
أيضًا توقّع شيء مرغوب أو مرجوّ حصوله في المستقبل[4]. والأمل نقيض اليأس، ويقال
“أمل فلان النجاح”: رجاه وتمنّاه وترقّب حصوله.

ب – معنى الأمل في الاصطلاح الإسلامي

أما الأمل
في الاصطلاح، هو رجاء الوصول إلى أمر محبوب ومرغوب فيه، سواء في الدنيا أو الآخرة،
وهو القوة الدافعة للسعي والمثابرة لتحقيق الغايات، إذ يبعث على العمل والسعي
والمثابرة، وهو دافع نفسي لتحقيق الأهداف بلا يأس[5]، والأمل مرتبط بالعمل والجد
والاجتهاد، وليس بالتمني العاجز دون سعي.

ج – معنى الأمل في القرآن الكريم                                            

ورد لفظ
الأمل في القرآن مرتين:

*ذُكر الأمل
لفظًا وحسًّا، في قوله تعالى في سورة الحجر: (ذَرْهُمْ
يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)
[6]،[7]،
[8].

*وفي قوله تعالى في سورة الكهف: (وَالْبَاقِيَاتُ
الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا
)
[9].

وورد
الأمل في القرآن الكريم بمعنى الانشغال بالمستقبل، وتوقع الأفضل، وتمني الفرج،
وعدم الاستسلام لليأس أو القنوط، ويربط بين الأمل والعمل الصالح. والأمل في القرآن
يدعو للتطلع للمستقبل والفلاح.

د – معنى الأمل في السنة النبوية

أما الأمل
في السنة النبوية،
فقد ورد ذكره؛ على أنه الرغبة في البقاء وطول
العمر، في أحاديث كثيرة، منها الصحيح والضعيف والموضوع، وسنكتفي بذكر الصحيح؛ ففيه
كفاية إن شاء الله
:

* روى
البخاري في صحيحه، عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه – قال: (
خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ وَسَطه خَطًّا، وَخَطَّ خَارِجًا مِنْ
الْخَطِّ خَطًّا، وَحَوْلَ الَّذِي فِي الْوَسَطِ خُطُوطًا، وقَالَ
:
” أتدرون ما هذا ؟” قلنا: الله ورسوله أعلم
، قال: “هذا الإنسان – للخط
الذي في الوسط –
وَهَذَا
أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ،
وهذه الأعراض- للخطوط التي حوله
تنهشه، إن أخطأه هذا نهشه هذا، وذلك الأمل-
يعني: الخط الخارج)[10].

في هذا الحديث، رسم الرسول صلى
الله عليه وسلم شكلا له أربعة أضلاع مستوية الزوايا، ثم رسم خطا في الوسط خارجا من
المربع، ثم خط ورسم خطوطا صغارا داخل الشكل المربع، تتجه إلى الخط الذي في الوسط،
وقال صلى الله عليه وسلم: «هذا الإنسان»، أي: هذا الخط الذي في الوسط هو
الإنسان، على سبيل التمثيل، « وهذا أجله محيط به – أو: قد أحاط به-» شك من
الراوي، إشارة إلى المربع، ثم أشار إلى الخط الطويل المنفرد الذي هو خارج من وسط
المربع، وأخبر أنه أمله؛ إشارة إلى أن أمل الإنسان مما يرجوه من نعم الدنيا، أطول
وأكبر من عمره، وهذه الخطوط الصغار التي في الخط الخارج من وسط المربع من أسفله،
أو من أسفله وأعلاه، هي «الأعراض»، أي: الآفات العارضة له؛ كمرض أو فقد مال
ونحوهما من الابتلاءات، أو المراد بالخطوط المثال، لا عدد مخصوص معين، « فإن
أخطأه»
وتجاوز عنه هذا العرض وسلم منه « نهشه» وأصابه وأخذه «هذا»
العرض الآخر، والنهش: لدغ ذوات السم، عبر به مبالغة في الأخذ، وإن أخطأه هذا العرض،
نهشه هذا العرض الآخر، وهو الموت، فمن لم يمت بالسبب، مات بالأجل، والحاصل أن
الإنسان يتعاطى الأمل، ولكن الأجل ينزعه ويخطفه قبل أن يحقق أمله
.

* وروى
البخاري ومسلم، عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: (لا يَزالُ قَلْبُ الكَبِيرِ شابًّا في اثْنَتَيْنِ: في حُبِّ
الدُّنْيا وطُولِ الأمَلِ
.).[11]
فقوله صلى الله عليه وسلم: (شاباً)، أي:
قوياً. لاستحكام المحبة لهذه الأمور في قلبه. وقوله صلى الله عليه وسلم: (الأمل)،
أي طول العمر، فالأمل مطبوع في جميع بني آدم؛ فلولاه ما تهنى أحد بعيش، ولا
طابت نفسه أن يشرع في عمل من أعمال الدنيا، وإنما المذموم من الأمل الاسترسال فيه،
وترك الاستعداد لأمر الآخرة، فمن سلم من ذلك، لم يكلف بإزالته
. وفي هذا الحديث، يخبرنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قلب المرء «الكبير» الشيخ يظل « شابا»
قويا مهما كبر سنه، وهو يحب خصلتين، وهما: حب الدنيا وما فيها من مال ونساء وبنين
وغير ذلك، وحبه لطول الأمل في الحياة ونسيان الموت
. والحكمة في التخصيص بهذين الأمرين، أن أحب الأشياء إلى ابن آدم نفسه؛
فهو راغب في بقائها؛ فأحب لذلك طول الأمل، وطول العمر، وأحب الدنيا؛ لأنه من أعظم
الأسباب في دوام التمتع بالشهوات مع الصحة التي ينشأ عنها غالبا طول العمر، فكلما
أحس بقرب نفاد ذلك، اشتد حبه له، ورغبته في دوامه
. وهذا تنبيه من النبي صلى الله عليه وسلم على ما فطر عليه الناس من حب
الدنيا وطول الأمل؛ حتى لا يغتروا ولا يلهيهم ذلك عن مجاهدة النفس؛ ليمتثلوا ما
أمروا به من الطاعة، وينزجروا عما نهوا عنه من المعصية
.

* روى أبو نعيم في حلية الأولياء،
وأحمد، باختلاف يسير، والبخاري، ومسلم بمعناه مطولاً، عن أنس بن مالك – رضي الله
عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يهرم ابن آدم، ويشب معه اثنتان:
الحرص والأمل)[12].

ه – معنى الأمل في معاجم التراث الإسلامي

يمتاز الأمل
في معاجم التراث الإسلامي بغنى المفهوم وتطوره، خاصة في الأدب الصوفي والتصوّف،
حيث اعتُبر الأمل خلقاً روحياً، وركيزة في تربية السالكين.

من أبرز
ما ورد في التراث، هو كتاب ابن أبي الدنيا “قصر الأمل”، الذي
تناول الأمل بمعناه السلبي، مثل طول الأمل الذي يمنع العمل ويؤدي إلى الغفلة عن
الآخرة، وأشار إلى أن قصر الأمل علامة على الإيمان واليقين. كما اهتم الصوفية
الأوائل مثل الحارث المحاسبي والهِروي، بالتصنيف المستقل لموضوع الأمل، واعتبروه
جزءاً هاماً من علم الأحوال والمقامات الروحية، وركزوا على كيف يربط الأمل بين الحزن
والفرح والنجاة والهلاك،
 وفي
الحديث النبوي، تم تناول الأمل في سياق الزمن، بين الأجل والأعراض التي تصيب
الإنسان، مع التحذير من طول الأمل الذي ينسي الآخرة، ويشغل القلب بالدنيا. وبذلك
تجمع معاجم التراث الإسلامي بين المعنى اللغوي للأمل، والبعد الروحي والتربوي له،
وتربطه بالأعمال والسعي والتقوى، مع تحذير من تداعيات الأمل غير المقيد بوعي نهاية
الحياة، من هنا يتبين أن الأمل في التراث الإسلامي هو
:

خلق روحي؛
وتربية روحية للسالكين، ودافع للأعمال الصالحة، مرتبط باليقين وقصر النظر للحياة
الدنيا، ومرتبط بالتحذير من طول الأمل الذي يجعل الإنسان غافلاً عن الآخرة، وحاضر
في أدبيات التصوف بشكل قوي ومتجذر
. هذه الرؤية؛ تعكس عمق استيعاب التراث الإسلامي
لمفهوم الأمل وتوظيفه تربوياً وروحياً[13].

ومجمل
القول: فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الأمل، ووصفه بأنه رحمة تدفع الإنسان
للعمل والسعي، ونبّه أيضًا على خطورة طول الأمل والانشغال بالدنيا فقط[14].
وقد كان الأمل خُلُقًا نبويًا حث به أصحابه وأمته على التفاؤل والعمل وعدم
الاستسلام للعجز أو القنوط. ومعناه اللغوي هو الرجاء، وتوقّع الأفضل، وفي الاصطلاح
هو دافع إيجابي للعمل، وفي القرآن الكريم والسنة النبوية حثٌ على التفاؤل مع الحرص
على ربط الأمل بالعمل وعدم الاستسلام لطول الأمل المذموم[15].
وتفاؤل متوازن يعين على المثابرة، لا تفريط فيه يورث قنوطًا أو تراخيًا.

2 – حديث الفسيلة أصل في التفاؤل وصناعة الأمل.

روى الطيالسي،
وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري في الأدب، وابن منيع، وابن أبي عمر، والبزار، وابن
جرير، والضياء، عن أنس رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إنْ
قامتِ الساعةُ ‌وبِيَدِ ‌أحدِكُم ‌فَسِيلَةٌ، فإنْ استطاعَ أنْ لا يقومَ حتى
يَغرِسَهَا، فَليَفعَل)
، ولفظ البخاري: (‌إنْ ‌قامت ‌الساعةُ وفي يدِ
أحدِكم فسيلةٌ، فإنْ استطاع أنْ لا تقومَ حتى يغرسَهَا فليغرسْهَا)
[16].

قيام
الساعة، يستدعي معه كل صور الاضطراب: من طلوع الشمس من مغربها، والنفخة الأولى في
الصور…. إلخ، وليتخيل كل واحد منا، في مثل هذه الأجواء يقال له: اغرس فسيلتك
! لاشك أنه
سيقول مستفسرا ومتعجبا، يا رب
.. وما تصنع فسيلتي؟ ومن سيأكل منها ؟ ومن أين لي
بطاقة نفسية تعينني على الغرس والسقيا، والعالم ينتهي من حولي؟
!

ويأتي
هذا الحديث النبوي الشريف بردا وسلاما، ليجيب عما عجز عنه العقل، إذ يضرب النبي
صلى الله عليه وسلم المثل بالفسيلة في هذا الحديث، وهي: صغار النَّخل، ولا يلزم من
ذلك أنه إذا كان بيد الإنسان شيء آخر غير الفسيلة أن يدَعه ولا يتصرف فيه، فهذا
الحديث يربينا على أن نعمل الصالحات، ونستكمل صنائع المعروف حتى آخر الأنفاس، فليس
بعد قيام الساعة إلا الموت، وأن لا ننشغل عن العمل لديننا مهما كان الصخب حولنا، 
فهذا الحديث النبوي الشريف، يمكن اعتباره دستور الأمل، لكونه يحمل معانٍ تربوية
عظيمة؛ تبعث على التفاؤل والأمل، وتحث على العمل والاجتهاد وعدم اليأس مهما كانت
الظروف صعبة؛ رغم قيام الساعة.

وهذه
المعاني التربوية في الحديث، تشكل دعوة دائمة للمسلم لأن يكون فاعلاً في حياته،
مبدعاً في عمله، مساهمًا في بناء مجتمعه، متيقناً أن لكل عمل صالح في عمر الإنسان خير
وفضل؛ حتى في أصعب المواقف.

3 – المعاني التربوية في حديث غرس الفسيلة

من بين المعاني التربوية في الحديث:

أ – الترغيب
في العمل الصالح، والاجتهاد حتى في أصعب الظروف:

فالحديث
يوجه المسلم إلى عدم التوقف عن العمل الصالح حتى في لحظات النهاية مثل قيام
الساعة، وهذا دليل على أن كل لحظة في الحياة لها قيمة، ويجب اغتنامها بالعمل
الصالح، وهذا ينمي روح المثابرة وعدم اليأس[17].

ب – تأكيد
ضرورة استمرار العطاء والإنتاجية:

الغرس في
الحديث رمز للجهد والعمل الصالح، وأكد الحديث على ضرورة استمرار العطاء وبذل الخير
للناس، لأن ما يغرسه الإنسان من خير يبقى أثره حتى بعد وفاته. وهذا له دلالة على
أن الإنسان لا يكون مفلساً ما دام يعمل وينتج[18].

ج – التحفيز
على العطاء والنفع للغير وعدم الأنانية:

حرص
الإنسان على الغرس لمن يأتي بعده، كناية عن الإسهام في نفع المجتمع والأجيال
القادمة، وهو تعبير عن حب الذات والكرم تجاه الآخرين[19].

د – التفاؤل
والأمل
، والتخطيط للمستقبل وعدم
القنوط واليأس:

الحديث
يذكر بضرورة التخطيط والاهتمام بالمشاريع النافعة حتى لو كانت الحياة قصيرة، لأنه
لا ينبغي لليأس أن يمنع الإنسان من الاستثمار في الخير وصناعة الأمل.
 

ه – التأكيد
على جواز العمل الصالح حتى في وقت القيامة:

 يشير الحديث إلى أن العمل الصالح جائز حتى في
أصعب اللحظات، مما يعزز قيمة العمل الصالح، والنية الطيبة من أجل الخير الدائم[20].
لأن
من أشد المعوقات أمام العاملين والفاعلين، هو أنهم قد يندفعون في العمل، ويبذلون
فيه قصارى جهدهم، ويتحمسون له، ولكن عندما يشعرون أن نتائج هذا العمل لا تعود
عليهم، وإنما تعود على غيرهم، فقد يدفعهم هذا إلى أن يمتنعوا عن العمل، أو
يتكاسلوا ويتباطؤوا عنه، وينتقلوا إلى البحث عن العمل الذي تكون آثاره ونتائجه راجعة
عليهم، ويستفيدون من ثماره ونتائجه، وهذه نظرة في الحقيقة قاصرة عاجزة، وإن بدت
أنها منطقية أمام بعض العقول والأفكار والمعتقدات الشائعة؛ فإنه لا يشترط في
الاستمرار في العمل النافع أن تعود آثاره على الفاعل مباشرة، وأن يستمتع بتلك
الآثار ويستفيد منها، فلو أخذ المصلحون والملهمون والقادة الاجتماعيون والمؤثرون
بهذا؛ ما حدث تطور لافت، ولا تقدم بارز، ولا إصلاح ناجح، ولا حضارة ذات قيمة، وسرعان
ما يزول ويندثر ويصبح تاريخًا محكيًّا لا واقعا معاشا؛ نظرًا لأن تلك النظرة
القاصرة، هي التي كانت الدافع وراءه. ولذا فإن قيمة الاستمرار في العمل النافع ولو
لم يستفد العامل من آثاره في الدنيا، من الأهمية بمكان في تقدم الأمم، وفي مسيرتها،
وفي حضاراتها ومنجزاتها، وأوضح ما يمثل ذلك ويبيّنه، هو ذلك الرجل الذي حانت ساعة
موته وانتقاله من الدنيا إلى الآخرة، وما يصاب به من ذهول وهلع وشغل شاغل، وحال
كربة غير مستقرة، لكن هذا لا يمنعه من أن يكمل زرع تلك الشجرة الصغيرة قدر طاقته،
ومقدار وسعه؛ وهو يعلم أنه لن يستفيد منها، ليكون ذلك عنوانًا بارزًا على استمرار
العمل النافع ولو في أحلك الظروف، وأشد الأحوال وأضيقها؛ فيكون نتيجة ذلك العمل
ثمارًا تعود بالفائدة على البشرية وحياتها وقيمها وحضارتها، وعلى البيئة ومقوماتها،
ومظاهرها وحيويتها؛ فهذه الشجرة الصغيرة، وهي مثال لكل ما ينفع صغيرًا كان أو
كبيرًا، يعود نفعها على الإنسان والحيوان والجماد والبيئة بالنفع المادي، والنفع
الجمالي، وبالنفع المحسوس، وبالنفع المعنوي، وبالنفع الحالّي، وبالنفع الآتيّ،
وبالنفع المشاهَد، والنفع المتخيَّل، مما يؤكد تواصل الأجيال وتواصيها على
الاستمرار في العمل النافع المفيد في كل الأحوال، وخاصة في تلك الحالة التي تشغل
الإنسان وتدفعه دفعًا إلى الانصراف عن ذلك.

وبهذه النظرة التي يصححها هذا
الحديث، على الغني أن لا يعمل ليظلّ غنيًّا، أو يزداد غنىً فقط، بل إنما يجب أن
يعمل أيضا ليكون ظهيرا للفقير في توفير احتياجاته ومتطلباته المتنوعة، والعمل على
توفير الظروف المناسبة له، إلى أن يحاول الفقير أن يكون غنيًّا إن بذل جهده وطاقته
من أجل ذلك، لا أن يعمل الأغنياء على سد الطرق أمام غيرهم من الفقراء لتحقيق
الثروة كما هو الشأن في الغرب؛ حتى يظل الأغنياء أغنياء، ويزدادوا غنىً على غنىً،
على حين يفتقر الفقراء دركات، ولا يجدون السبل المشروعة متاحة لأن يخرجوا من دائرة
الفقر والعوز.

و- قيمة
العمل النافع في الميزان الشرعي:

خلق الله الإنسان ليعمل صالحا،
وأرقى أنواع العمل، عبادة الله وحده، واقتصار التوجه إليه سبحانه دون سواه، وطلب
العون والتأييد منه، والتوكل عليه، وهو في سبيل هذا الهدف النبيل، لا ينسى أن يعمل
عملًا نافعًا لنفسه ولغيره ولمجتمعه، وللعالم الذي يعيش فيه، بل للبيئة المحيطة
به، والكائنات التي تعيش معه فيها، فالفسيلة، وهي الشجرة الصغيرة، التي يزرعها،
يستفيد منها زارعها ومن تصل إليه ثمارها ونتاجها، والحديث يلفت النظر للمسلمين
ليبن لهم أن حسن الخاتمة لا تقتصر على الموت ساجدا، أو راكعا، أو تاليا للقرآن،
وإنما حسن الخاتمة الحقيقي أن تموت بعد أداء شعائر الدين في وقتها، وأنت تسعى في
نفع البشرية، لتحقق الغاية التي خلق الإنسان من أجلها، وهي عمارة الأرض، وتحقيق الأمن
والسلام، ليعبد الله فيها حق العبادة.

ز– الجمع بين عمران الدنيا والعمل
للآخرة:

إذا كانت مهمة الإنسان في الدنيا
محددة واضحة، فإن الوسائل والطرق إليها فيها تنوع واختلاف، يؤدي إلى الثراء
والتعدد في هذه الوسائل وتلك الطرق، من أجل إنجاز تلك المهمة، وهي العمل للآخرة،
وهي مهمة لا تقطع عن الدنيا ولا عن عمرانها وتعميرها، بل إن العمل للآخرة يمرّ
قطعا عبر تعمير الدنيا، وإنجاز حضاراتها، ويتضح هذا جليًّا في هذا الحديث الشريف،
فوقتُ قيام الساعة، وقد ظهرت في الآفاق أماراتها، وما يتبع ذلك من الانتقال إلى
الآخرة، لا يشغل هذا الإنسان عن العمل الدنيوي النافع المفيد، مع أنه أشد ما يكون
حاجة للعمل للآخرة والاستعداد للانتقال إليها، فإنه بانشغاله بإتمام هذا العمل
الدنيوي في ظاهره، يكون قد عمل عملا للدنيا والآخرة معًا، وليس للدنيا فقط، وعلى
ذلك؛ فتعمير الدنيا سبيل للعمل الآخرة وتحصيل للثواب الجزيل فيها، ولو كان العامل
زاهدًا في الدنيا، فإن هذا لا يمنع أن يعمل لتعمير الدنيا حضاريًّا ورقيًّا
وازدهارًا، والعمل على تحسين البيئات والأحوال والظروف المحيطة قدر الإمكانات
والطاقات الممكنة والمستطاعة، والجمع بين تعمير الدنيا وعمران الآخرة، وجعل عمران
الدنيا سبيلًا وطريقًا لعمران الآخرة.

كل هذا يجعل العاملين والمصلحين
يمسكون بخيوط القوة ومقدرات الحضارة المتنوعة، وسبل التأثير المختلفة؛ فتكون
الحياة مهيأة لأن تمتلئ بقيم العدل والخير والإيجابية، والتعايش الحميد، والتنوع
المنشود؛ فتزداد الحضارة رقيا وتقدما، وعمقا، وثراء، وإثراء. وهذا لا يكون متاحا
إن تخلى العاملون للآخرة عن العمل لتعمير الدنيا، فإن الحياة تضيق على أهلها؛ وذلك
لامتلائها بقيم العنصرية والانحياز، والاستعلائية والفوقية، والاستبدادية
والعدوانية.

ح – الايجابية في حياة المسلم:

حديث الفسيلة يحث على عدم التوقف
عن العمل النافع حتى في آخر لحظة من الحياة، مما يعكس دلالة العمل الدؤوب،
والإيجابية في حياة المسلم. ولكي يكون الإنسان إيجابيًّا فاعلًا منتجًا قدر
الإمكان والاستطاعة، عليه أن لا يكتفي بأن يكون مستهلِكا مفعولًا به، مستقبِلا دون
أن يكون مرسِلا، تدفعه سرعة الأحداث، وتقلب الأحوال، واختلاف الأمور عن المعتاد،
إلى أن ينقطع لمتابعتها، والانغماس في أخبارها، والتأثر بها، وبتقلباتها دون أن
يستمر في عمله والسعي الجاد لتحقيق أهدافه وغاياته، فإنما خلق الإنسان ليعمل، لا
أن يُعمَل له فحسب، فاعلًا؛ لا أن يُفعَل له فقط، مُؤثِّرا؛ لا أن يكتفي بأن يتأثر
لا غير، منتجًا؛ لا أن يكون مستهلِكا وكفى، إيجابيًّا؛ لا أن يكون سلبيًّا، صاحب
رأي وموقف؛ لا أن يكون إمعة لبيئته ومحيطه الثقافي والمعرفي
.

وهذا ما يوضحه هذا الحديث الشريف،
فالإنسان وقد رأى الساعة وأماراتها وعلاماتها وما يصاحبها من تقلب الأحوال وتبدل
الأمور، واختلافها اختلافًا كليًّا، بل ظهرت العلامات الواضحة والبينات البارزة
على انتهاء الدنيا وزاولها، ورغم ذلك، فإن هذا كله لا يدفعه لأن يترك ما بيده من
عمل نافع، وإنتاج مفيد، ويجعله يتابع تلك الأخبار الطريفة، والأنباء العجيبة،
والوقائع الغريبة، والأحوال الشنيعة، والظروف المطبقة، وأن ينشغل بذلك تمام
الانشغال، بحيث يستغرق فيها ويتابعها، وقد يكون له عذره، لأنه أتاه ما يشغله عما
فيه، ويأخذ بعقله ولبّه، ولا يترك له مجالا لأن يستمر في عمله الذي كان يعمل، قد
يكون هذا هو المتوقع والمقبول عند بعض الناس أو أكثرهم، لكن الإنسان الإيجابي،
الأمر عنده مختلف، فإنه يُقبل على إنجاز عمله، والتقدم في ذلك قدر استطاعته، ولا
تشغله الأحداث على خطورتها وأهميتها وشدتها عن عمله وأهدافه، والعمل على تحقيقها،
بل هو مقيم على عمله وإنجازه بكل ما يستطيع من قوة وقدرة، رغم هذه الأحوال غير
المواتية، بل إن تلك الظروف والأحوال المحيطة والمطبقة، لا تزيده إلا عملًا على
عملٍ، وإنجازًا على إنجازٍ، وإتمامًا على إتمام، ولا يتوقف عن ذلك ولا يتوانى، فإن
ما قدره الله سوف يكون، وإنما هو مخاطب بالعمل النافع، والاستمرار عليه، ولو أحاط
به ما أحاط من ظروف وأحوال وحوادث طارئة وشديدة.

ط – المصلحة العامة:

الحث عن غرس الفسيلة، يبين أن
مصلحة الفرد لا تكمن في أنانيته، بل في مصلحة المجتمع، والتفكير فيما سيستفيد منه
أخيرًا. حتى لو كان هذا النفع بسيطًا أو غير مباشر.  وبهذا ينقل الحديث حياة
الإنسان الذي لا يكاد يعرف إلا مطالب جسده من طعام وشراب ونحو ذلك، إلى أن تصبح
اهتماماته ذات الأثر الفعال التي تعمل من أجل ترقية الحياة البشرية بشتى صورها؛
بحيث تنعتق من ذلك المنظور المادي الضيق الزائل، إلى ذلك المنظور القيمي الواسع؛
الذي يرى الإنسان عضوا فعّالا في سلسلة من الجهود المبذولة للعمل على تحقيق أكبر
إنجاز ممكن، من رقيٍّ بالبشرية، ورفعها إلى الفضائل والأخلاق العالية، بالإضافة
إلى الإنجاز المادي المتفوق الراقي، البعيد كل البعد عن الأنانية والوقتية
والاستعلائية والنظرة القاصرة المتعجرفة.

ي – الثبات والصبر لقول الحق في
الأحداث
:

رسالة مهمة للدعاة خاصة؛ وهي
أهمية بذل الجهد في الأحداث لقول الحق دون النظر إلى النتائج الدائمة، وهذا يتطلب
ثباتًا وصبرًا كبيرًا. 

4 – غزة تلقن العالم كون الأمل عبادة

بعد
معرفة الأمل في شقه النظري، ننتقل إلى ترجمة هذه المعاني مجسمة في حياة الغزاويين،
وهذه حقيقة عظيمة، تتعلق بالقوة الإنسانية، والإرادة الصلبة في مواجهة الظروف
الصعبة، فرغم الحصار والتحديات الكثيرة التي تواجه سكان غزة، فإنها تعد مثالاً على
الصبر والإصرار، حيث يستمر الناس في الحفاظ على الأمل للحياة والحرية والكرامة
.

فالأمل
هنا في غزة العزة، لا يُعتبر مجرد شعور عابر، بل هو فعل دائم ومستمر، يضفي معنى
على الحياة رغم كافة الصعوبات، وغزة تجسد هذا الأمل كنوع من العبادة، أي كقيمة
مقدسة تُمارس بإصرار وتفانٍ، تعزز الصمود الشعبي، والنضال من أجل الحقوق والعيش
الكريم
.

إن غزة
توجه رسالة للعالم الذي عجز عن رفع الحصار المضروب عليها، بأن الأمل هو سلاح قوي،
يمكن أن يعين الشعوب على تجاوز المحن، كما أن غزة تؤكد من خلال صمودها، أن الشعوب
المقهورة، يمكنها أن تنير دروب المستقبل، بالتمسك بالأمل والعمل الجماعي، وهذه
الرؤية تعكس قوة الشعب الفلسطيني في غزة، وأهمية استمرار الدعم الإنساني والمعنوي
لهم لم

بن سالم باهشام
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان