آخر الأخبار

اتباع سنن أهل الكتاب والمشركين: مظاهر ودلالات

شارك المقال على :

اتباع
سنن أهل الكتاب والمشركين: مظاهر ودلالات

كتبه: د. انجوغو امباكي صمب

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

لاتباع
سنن أهل الكتاب والمشركين مظاهر كثيرة ومتنوعة تنعكس على جميع مجالات التدين وفي
كل جوانب الحياة، قال الإمام الآجري رحمه الله : (( من تصفح أمر هذه الأمة من عالم
عاقل، علم أن أكثرهم العام منهم يجري أمورهم على سنن أهل الكتابين كما قال النبي
صلى الله عليه وسلم، وعلى سنن كسرى وقيصر وعلى سنن أهل الجاهلية، وذلك مثل السلطنة
وأحكامهم، وأحكام العمال والأمراء وغيرهم، وأمر المصائب والأفراح والمساكن واللباس
والحلية، والأكل والشرب والولائم، والمراكب والخدم والمجالس والمجالسة، والبيع
والشراء، والمكاسب من جهات كثيرة))[1]،
وبلغتنا المعاصر فإن الإمام الآجري رحمه الله يرصد في زمانه مظاهر اتباع أكثر
مسلمي زمانه لسنن أهل الكتاب وتشبههم بهم في مجال السياسة والحكم والإدارة
والاجتماع والاقتصاد والعمارة والفن.

وفيما يلي أخطر مظاهر اتباع بعض المسلمين لسنن أهل الكتاب
والمشركين:

1-        
الردة
إلى الشرك والوثنية.

أخطر
مظاهر اتباع سنن أهل الكتاب والمشركين النزوع إلى الشرك والوثنية بعد الإيمان
والإسلام، حيث يرتد فئام من الناس عن التوحيد بسبب الجهل والتقليد وكثرة المضلين،
حتى ترجع طوائف من أهل القبلة إلى صريح الشرك بالله تعالى كالدعاء والاستغاثة
والنذر والنحر والركوع والسجود لغير الله تعالى، بل قد يدخل بعضهم في الديانات
الوثنية الشركية كالمجوسية والماسونية وعبدة الشيطان ونحوها، وتحقق فيهم قوله صلى
الله عليه وسلم (( لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبرا بشبر
وذراعا بذراع))، فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: (( ومن الناس إلا
أولئك)) [2]،
قال ابن تيمية رحمه الله معلقا على الحديث (( وهذا بعينه صار في هؤلاء المنتسبين
إلى التشيع ; فإن هؤلاء الإسماعيلية أخذوا من مذاهب الفرس وقولهم بالأصلين: النور
والظلمة، وغير ذلك أمورا، وأخذوا من مذاهب الروم من النصرانية، وما كانوا عليه قبل
النصرانية من مذهب اليونان…))[3]،  وقد يظن بعض العلماء والدعاة هذا الكلام مبالغة
من ابن تيمية رحمه الله، وينكرون أن يصدر مثل هذه الأفعال ممن ينتسب إلى الإسلام،
وهذا جهل منهم بالواقع وبالشرع معا، فمن عاش في بعض المجتمعات الإسلامية التي
انتشرت فيها المذاهب الضالة والفرق المنحرفة رأى وسمع أشد مما حكاه ابن تيمية عن
الشيعة الإسماعيلية، وقد صح من علامات الساعة ردة بعض أهل الإسلام وعبادتهم
للأصنام والعياذ بالله ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم، قال: ((لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة))، وذو الخلصة
طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية)) [4]،
قال الطيبي رحمه الله : قوله: ((أليات نساء دوس)): (( هي جمع ألية، وهي في الأصل
اللحمة التي تكون في أصل العضو((الخلصة)): هو بيت كان فيه صنم لدوس وخثعم وبجيلة
وغيرهم، وقيل: ذو الخلصة الكعبة اليمانية التي كانت باليمن، وقيل: ذو الخلصة: اسم
الصنم نفسه…، والمعنى: أنهم يرتدون إلى جاهليتهم في عبادة الأوثان، فتسعى نساء
دوس طائفات حول ذي الخلصة، فترتج أعجازهن))[5]،
وهذا المظهر ليس مقتصرا على صنيع نساء دوس عند ذي الخلصة، ففي كثير من بلاد
الإسلام اليوم نشاهد ما يندى له الجبين من تهافت العامة وخاصة النساء على قبور
وأضرحة الصالحين، للطواف بها والتمسح على جدرانها والتوجه إلى أصحابها بالدعاء
والاستغاثة وتقديم النذور، بل وصل جهل بعضهم إلى زيارة قبور دواب شيوخهم والعياذ
بالله.

2-        
تحريف الكلم
وتأويل النصوص الشرعية.

لا
يقع أهل الديانات في الانحراف ويضلوا عن السبيل حتى يحرفوا ما بأيديهم من الكتب
المنزلة من عند الله تعالى ويؤولوا نصوصها تأويلا فاسدا، وذلك سبب ضلال أهل الكتاب
ومن اتبع سننهم من طوائف المسلمين، قال تعالى {
فَوَيْلٌ
لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ
عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا
كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}[6]،
وقوله {فَوَيْلٌ } : (( أي تحسر وهلك…، {لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ}:
يعني المحرفين، ولعله أراد به ما كتبوه من التأويلات الزائغة{بِأَيْدِيهِمْ } تأكيد
كقولك: كتبته بيميني { ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا
بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا} : كي يحصلوا به عرضاً من أعراض الدنيا{ فَوَيْلٌ لَهُمْ
مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ}: يعني المحرف {وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ }
يريد به الرشى))[7]، وقال
تعالى {
مِنَ
الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا
وَعَصَيْنَا}[8]، وقوله {
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ }: (( أي من الذين هادوا قوم يحرفون
الكلم : أي يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها بإزالته عنها وإثبات غيره فيها،
أو يؤولونه على ما يشتهون فيميلونه عما أنزل الله فيه))[9]،و
جاء في مختصر الصواعق المرسلة (( فهذه الطريق المذمومة التي سلكها علماء اليهود،
وقد سلكها أشباههم من هذه الأمة…، وكثير من هؤلاء الأشباه يحرفون كلام الله
ويكتمونه، لئلا يحتج به عليهم في خلاف أهوائهم، ، ما لم يمكنهم منعه من الكتاب
والسنة وكتمانه سطوا عليه بالتحريف وتأولوه على غير تأويله، ثم يعتمدون على آثار
موضوعة مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه موافقة لأهوائهم وبدعهم،
فيقولون هذا من عند الله، ويحتجون به ويضعون قواعد ابتدعوها وآراء اخترعوها،
ويسمونها أصل الدين وهي أضر شيء على الدين))
[10]،
وهذا وصف لحال الجهمية والمعطلة وأمثالها من الفرق التي ظهرت في التاريخ الإسلامي،
وينطبق على غيرهم ممن جاء بعدهم من الذين سلكوا منهج التحريف والتأويل في كل زمان
ومكان، كتلك النابتة التي تدعو إلى إعادة تفسير القرآن الكريم وشروح أحاديث رسول
الله صلى الله عليه وسلم، على قواعد وأسس مخالفة لما وضعها أئمة المسلمين وعلمائهم
السابقين، ولكن يعيش لهم الجهابذة من علماء الإسلام المعاصرين ودعاتهم المتبصرين،
كما تصدى أئمة السلف لتلك الفرق والنحل، قال الشيخ عبد الرحمن الميداني كاشفا عن
مخطط أعداء الإسلام في استخدام هذا التيار التحريفي لهدم الإسلام (( إن التدارك
الشيطاني من قبل أصحاب المذاهب الفكرية الضالة بعد سقوطها الشنيع فلسفة وبرامج
وتطبيقات، قد اختار حيلة إلباس هذه المذاهب ثيابا تخيل للأغرار من أهل الأهواء
والشبهات أنها مفهومات إسلامية، وأن نصوص القرآن والسنة النبوية تدل عليها، إذا
قرأت قراءة معاصرة بأعين الفلاسفة المتعمقين، أو جرى تأويلها بما يتلاءم مع رؤاهم
الفلسفية))
[11].

3-        
تبديل
الشرائع والأحكام.

من
نتائج التحريف والتأويل الفاسد للنصوص الشرعية تبديل الشرائع والأحكام المتلقاة من
تلك النصوص، وكل من اشتغل بالتحريف والتأويل الفاسد فسيصير حتما إلى تبديل وتغيير
الشرائع والأحكام، واليهود معروف منذ القدم بتبديل الشرائع الإلهية والتلاعب
بالأحكام الشرعية، وكان أحبارهم ورهبانهم يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله
فيطيعونهم في ذلك، فسمى الله فعلهم هذا في القرآن عبادة، قال تعالى{
اتَّخَذُوا
أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ …}[12]،
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((ما تجدون في التوراة في شأن الرجم))، فقالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد
الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على
آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع
يده فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول
الله صلى الله عليه وسلم فرجما، قال عبد الله: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها
الحجارة[13].

وظلت
الشريعة الإسلامية المطهرة بعد نزولها على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتطبيقها
في القرون المفضلة وما بعدها، ظلت قرونا طويلة في حفظ وصيانة وتوقير ورعاية إلى أن
جاء ملك التتر جينكيزخان فوضع لهم الياسق أو الياسا، وهو(( وهو عبارة عن كتاب
مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية
وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنينه شرعا
متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم))[14]،
وفي العصور المتأخرة من تاريخ الأمة الإسلامية وبعد سقوط الخلافة العثمانية
بالتحديد(1924 م )، تفرقت كلمة المسلمين وانتشرت بينهم البدع والمحدثات وتكالبت
عليهم الأمم من كل حدب وصوب، بدأ المسلمون يتخلون عن الشريعة الإسلامية ويستبدلون
بها غيرها من القوانين الوضعية والأعراف الجاهلية، إلى أن وصل الحكم بالشريعة في
بعض البلاد الإسلامية جريمة وعلامة للتخلف والرجعية، قال الشيخ سفر الحوالي رحمه
الله (( وعندما تصاب أمة من الأمم بهذا المرض المدمر “فقدان الذات” فإن
أبرز أعراضه يتمثل في الانبهار القاتل بالأمم الأخرى والاستمداد غير الواعي من
مناهجها ونظمها وقيمها، وقد وقع ذلك في حياة الأمة الإسلامية تأويلاً لقوله صلى
الله عليه وسلم (( لتركبن سنن من كان قبلكم …)) ولم يكن أخطر من هذا المرض إلا
الجهل بحقيقته وعدم إدراك أسبابه))[15].

4-        
إضاعة
الصلاة واتباع الشهوات.

إن
كثيرا من ذرية الأنبياء وسلالة الصالحين اجتالتهم الشياطين وأضلوهم عن سواء
السبيل، فوقعوا في البدع والمعاصي وتركوا ما كان عليه أسلافهم من الإيمان بالله
تعالى والأعمال الصالحة، وظنوا أن نسبهم وصلتهم بالصالحين سيشفع لهم عند الله يوم
القيامة، قال تعالى{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ
يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ
يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ
الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا
فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }[16]،
قال ابن كثير رحمه الله ((فخلف من بعد ذلك الجيل الذين فيهم الصالح والطالح خلف
آخر لا خير فيهم، وقد ورثوا دراسة الكتاب وهو التوراة وقال مجاهد: هم النصارى، وقد
يكون أعم من ذلك {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى}: أي يعتاضون عن بذل الحق
ونشره بعرض الحياة الدنيا ويسوفون أنفسهم ويعدونها بالتوبة …))[17]،
وقال تعالى{
فَخَلَفَ مِنْ
بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ
يَلْقَوْنَ غَيًّا}[18]،
قال ابن كثير رحمه الله (( فخلف من بعدهم خلف أي قرون أخر أضاعوا الصلاة وإذا
أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع، لأنها عماد الدين وقوامه وخير أعمال
العباد، وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها،
فهؤلاء سيلقون غيا، أي خسارا يوم القيامة))[19]،
قال أبو زهرة رحمه الله ((وهكذا تكون الحال، إذا ضعفت القلوب والهمم وضعف الإيمان،
ولا حول ولا قوة إلا بالله، ينسون المواثيق التي أخذت عليهم؛ ولذا يوبخهم القرآن
الكريم))[20].

وكما
ضيع أولئك الذرية من سلالة الأنبياء والصالحين الصلوات واتبعوا الشهوات سيفعل
الخلوف من هذه الأمة والعياذ بالله، وذلك حين يبلى القرآن في قلوبهم، فيتلونه فلا
يتجاوز حلوقهم، ويتغنون به في المحافل والمجامع وينظمون له المسابقات، ثم يحرمون
التحاكم إليه في المحاكم والبرلمانات، فعن معاذ بن جبل
رضي الله عنه مرفوعا، قال: ((سَيَبْلَى الْقُرْآنُ فِي صُدُورِ أَقْوَامٍ كَمَا يَبْلَى
الثَّوْبُ فَيَتَهَافَتُ، يَقْرَءُونَهُ لَا يَجِدُونَ لَهُ شَهْوَةً وَلَا
لَذَّةً، يَلْبَسُونَ جُلُودَ الضَّأْنِ عَلَى قُلُوبِ الذِّئَابِ، أَعْمَالُهُمْ
طَمَعٌ لَا يُخَالِطُهُ خَوْفٌ، إِنْ قَصَّرُوا، قَالُوا: سَنَبْلُغُ، وَإِنْ
أَسَاءُوا، قَالُوا: سَيُغْفَرُ لَنَا، إِنَّا لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا))[21].

 وكذلك تشيع الفواحش في الذين آمنوا ويجاهر
الفساق بالمعاصي ويعلنونها في المجتمع المسلم، حتى لا تكاد تميز بينه وبين
المجتمعات الأخرى في الميوعة والتسفخ والتهتك، فعن ابن مسعود رضي الله عنه، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(( أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل، لتركبن طريقتهم
حذو القُذة بالقذة، حتى لا يكون فيهم شيء إلا كان فيكم مثله، حتى إن القوم لتمر
عليهم المرأة، فيقوم إليها بعضهم فيجامعها ثم يرجع إلى أصحابه؛ يضحك إليهم ويضحكون
إليه))[22]،
وقد أصبحنا نرى في بلاد الإسلام كل ما كنا نسمع عنه في بلاد الكفر من أنواع
الفواحش وصنوف المنكرات، ما بين صالونات الميسر والقمار، وحانات الدعارة والفجور،
ونوادي الرقص والتعري…إلخ 

5-        
فساد
العلماء وميلهم إلى الدنيا.

ومما
آل إليه أمر اليهود والنصارى فساد علمائهم وميلهم إلى الدنيا ونقضهم عهد الله
وميثاقه، وتخليهم عن واجب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبدل أن
يكونوا هداة مهتدين أصبحوا ضالين مضلين، واشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، قال
تعالى{
فَبِمَا نَقْضِهِمْ
مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ
الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ
تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ
وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا
إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ
فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ }[23]،
وقوله {فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ}: (( طردناهم من رحمتنا، أو
مسخناهم أو ضربنا عليهم الجزية. {وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً} : لا تنفعل عن
الآيات والنذر{ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ}: استئناف لبيان قسوة
قلوبهم، فإنه لا قسوة أشد من تغيير كلام الله سبحانه وتعالى والافتراء عليه، ويجوز
أن يكون حالاً من مفعول {لَعَنَّاهُمْ } لا من القلوب إذ لا ضمير له فيه{وَنَسُوا
حَظًّا}: وتركوا نصيباً وافياً {مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} من التوراة، أو من اتباع
محمد صلّى الله عليه وسلّم، والمعنى أنهم حرفوا التوراة وتركوا حظهم مما أنزل
عليهم فلم ينالوه، وقيل معناه أنهم حرفوها فزلت بشؤمه أشياء منها عن حفظهم{وَلا
تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ}: خيانة منهم، أو فرقة خائنة أو خائن
والتاء للمبالغة، {إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} لم يخونوا وهم الذين آمنوا منهم،
وقيل استثناء من قوله{ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً فَاعْفُ عَنْهُمْ
وَاصْفَحْ} إن تابوا وآمنوا أو عاهدوا والتزموا الجزية وقيل: مطلق نسخ بآية السيف
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} تعليل للأمر بالصفح وحث عليه وتنبيه على
أن العفو عن الكافر الخائن إحسان فضلاً عن العفو عن غيره))[24]
قال السعدي رحمه الله ((فكل من لم يقم بما أمر الله به، وأخذ به عليه الالتزام، كان
له نصيب من اللعنة وقسوة القلب والابتلاء بتحريف الكلم وأنه لا يوفق للصواب ونسيان
حظ مما ذُكِّر به، وأنه لا بد أن يبتلى بالخيانة، نسأل الله العافية))[25]،
وقال تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ
وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ
سَبِيلِ اللَّهِ}[26]، وقوله {لَيَأْكُلُونَ
أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ} : (( لأن المقصود الأعظم من جمع المال الأكل فسمى
الشيء باسم ما هو أعظم مقاصد واختلفوا في السبب الذي من أجله أكلوا أموال الناس
بالباطل فقيل إنهم كانوا يأخذون الرشا من سفلتهم في تخفيف الشرائع والمسامحة في
الأحكام، وقيل إنهم كانوا يكتبون بأيديهم كتبا يحرفونها ويبدلونها ويقولون هذه من
عند الله ويأخذون بها ثمنا قليلا )) [27]،
وهذا المصير السيء الذي انتهى إليه أمر علماء بني إسرائيل حصل لبعض علماء هذه
الأمة، فاتبعوهم في تلك الخصال المذمومة حذو القذة بالقذة، وبدل أن يكونوا ورثة
النبي محمد صلى الله عليه وسلم في تبليغ الرسال وأداء الأمانة، أصبحوا من خلفاء
إبليس وجنوده، وبعضهم صار إبليس من جنده، لعظم فساد وشره، قال ابن عيينة رحمه الله:
((كان يقال من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبّادنا ففيه شبه من
النصارى))[28]، قال
ابن رجب رحمه الله ((ووجه هذا أن الله ذم علماء اليهود بأكل السحت، وأكل الأموال
بالباطل والصد عن سبيل الله ، وبقتل النبيين بغير حق، وبقتل الذين يأمرون بالقسط
من الناس، وبالتكبر عن الحق وتركه عمداً خوفاً من زوال المأكل والرياسات وبالحسد
وبقسوة القلب، وبكتمان الحق، وتلبيس الحق بالباطل ، وكل هذه الخصال توجد في علماء
السوء من أهل البدع ونحوهم))[29].

6-        
فساد
العبّاد وميلهم إلى الرهبانية.

وإذا
كان فساد العلماء بترك العمل بما علموا من شرع الله تعالى، وترك الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله والاشتغال بجمع حطام الدنيا، فإن فساد العبّاد
يكون بالابتداع والإحداث في الدين، والميل إلى الرهبانية واعتزال الحياة والأحياء
وإيثار الخمول والخلوة، بدعوى الزهد والتبتل، وكل ذلك حصل في علماء بني إسرائيل
كما أخبر الله تعالى في القرآن الكريم، قال تعالى{ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى
آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ
الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً
وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ
رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ
آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}[30]،
وقوله {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ}: (( أي:
فرضنا عليهم تلك الرهبانية، ولم نأمرهم بها، ولكن فرض عليهم وكتب في الجملة أن
يطلبوا رضوان اللَّه فابتدعوا تلك الرهبانية؛ رجاء أن يكون فيها رضوان اللَّه،
واللَّه أعلم {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}: أخبر أنهم ابتدعوا شيئا لم
يكتب عليهم، ثم ذكر أنهم لم يرعوه حق رعايته، ذمهم، لتركهم الرعاية لما ابتدعوه))[31].

وقد
اتبع فريق من العبّاد في هذه الأمة سيرة الرهبان من أهل الكتاب، فسلكوا سبيل
الرهبانية وتعبدوا بالبدع والمحدثات، وحرموا على أنفسهم الطيبات وشقوا على أنفسهم
بالرياضات، وأظلمت أرواحهم بالأوهام والخيالات، فعن ابن كريب رضي الله عنه، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا اتخذ الفساق القصص وحذت أمتي حذو الرهبان
فالهرب من الدنيا هربا)), قيل: وما حذو الرهبان؟ قال: ((يأخذون بشكلهم وشدتهم في
العبادة))[32]، قال
ابن رجب رحمه الله ((وأما النصارى فذمهم الله بالجهل والضلالة، وباللغو في الدين
بغير الحق، ورفع المخلوق إلى درجة لا يستحقها، حتى يدعى فيه الإلهية، واتباع
الكبراء في التحليل والتحريم، وكل هذا يجد في جهال المسلمين المنتسبين إلى العبادة
من هذه الأمة…))[33]،
وقال ابن الجوزي رحمه الله عن تلبيس إبليس على بعض الزهاد ((ومن تلبيسه على الزهاد
إعراضهم عن العلم شغلا بالزهد فقد استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير…، ومن
تلبيسه عليهم أنه يوهمهم أن الزهد ترك المباحات فمنهم من لا يزيد على خبز الشعير
ومنهم من لا يذوق الفاكهة ومنهم من يقلل المطعم حتى ييبس بدنه ويعذب نفسه بلبس
الصوف ويمنعها الماء البارد وما هذه طريقة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ولا طريق أصحابه وأتباعهم))[34].

7-        
الغلو
في الأنبياء والصالحين.

نعى
القرآن الكريم على أهل الكتاب غلوهم في دينهم وفي أنبيائهم وصالحي عباد الله منهم
، قال تعالى {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا
عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ
اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا
بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ
إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا
فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا}[35]،
وفي الآية الكريمة نهي للنصارى عن الغلو في عيسى ابن مريم، وهو أعظم ما وقعوا فيه
من الغلو، حيث تفرقوا  في حقيقته إلى أربعة
فرق كبرى، وهي اليعقوبية، والملكانية، والنسطورية، والمرقوسية، فأما اليعقوبية
والملكانية فقالوا في عيسى أنه الله، وقالت النسطورية إنه ابن الله، وقالت
المرقوسية ثالث ثلاثة، ولم تصب أية فرقة منهم الحقيقة وكلها غالية مجانبة للصواب،
فأرشدهم الله تعالى إلى حقيقة عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام وطبيعته ووظيفته،
وهي أنه عبد الله ورسوله، [36]
وقال تعالى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ
اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا
وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }

+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان