آخر الأخبار

تفكيك منظومات الاستبداد (٣٤): نصائح عربية للثورة البنغالية

شارك المقال على :

تفكيك منظومات الاستبداد (٣٤): نصائح عربية للثورة البنغالية  

كتب: أ. د. جاسر عودة

عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

يا أهلنا الكرام ويا أمتنا الحبيبة في بلاد البنغال! هذه نصائح من وحي المأساة التي عاشها إخوانكم العرب على مدار السنوات العشر الماضية أو تزيد، عسى أن تتجنبوا ويلات الثورة المضادة التي هي آتية لا محالة، بل هي قد بدأت بالفعل منذ يوم أمس! بدأ بالفعل شياطين الدولة العميقة وأعداء الأمة الدوليين من كل لون شنّ الحرب عليكم، لإجهاض ثورتكم وتركيع شعبكم وتجويع البسطاء منكم وقتل الشرفاء من كل شاكلة. فاحذروا!

لا تتركوا الساحات والشوارع الآن ولا في أي وقت قريب. لا توافقوا على تولي قيادات الجيش الحالية لزمام الحكم مهما قالوا ووعدوا وتمسكنوا وتظاهروا بالوطنية. لا ترضوا بأقل من إعدام القتلة الذين اغتالوا إخوانكم المتظاهرين، والذين قاموا بقتل الشرفاء في بلادكم على مدار العقود الماضية خارج أو داخل ما يسمى بقانون الإرهاب، خاصة من القادة السياسيين، والعسكريين والأمنيين والقضائيين. لا تتسامحوا مع أي منهم صغيرًا كان أو كبيرًا، ولا ترضوا بأقل من إعدام الذين تورطوا في القتل أو التعذيب جميعًا، وتدمير كل السجون والمعتقلات التي عذبوا فيها الأبرياء، كلها. وأخيرًا، لا تقبلوا بانتخابات (ديمقراطية) نزيهة ولا غير نزيهة، ولا تطالبوا بحكومة (مدنية) الآن. احذروا!

وهذه الأسباب:

١- قيادات الجيش التي اختارها ورباها الطغاة على أعينهم خونة وطغاة مثلهم وشركاء في كل الجرائم التي وقعت، ولا تصح الثقة فيهم لقيادة البلاد ولو لساعة واحدة. هؤلاء أيها الإخوة والأخوات هم أنفسهم (الدولة العميقة) التي ثرتم عليها، والتي لابد من تفكيكها تمامًا ودون أي استثناء. هؤلاء القادة هم الذين بالأمس القريب حموا الرئيسة الفاسدة المخلوعة وهربوها على طائرة حربية، بدلا من محاكمتها وإعدامها على جرائمها، وهذا أكبر دليل على أنهم شركاء لها، ولا ينوون لكم إلا كل شر.

٢- الحكومة (المدنية) ليست هدفا إسلاميًا بالضرورة في مقابل حكومة عسكرية. الإسلام يتسع لأي نوع من الحكومة ما دامت شريفة وعادلة. والأولى الآن في هذه الظروف هي حكومة من قيادات شابة عسكرية ولكنها مؤمنة ونزيهة، وهؤلاء قلة في جيوش المسلمين هذه الأيام ولكنهم موجودون ومستعدون لفداء الحق والعدل بأرواحهم. ابحثوا عنهم ولا ترضوا إلا بأن يتولوا هم الحكم، وادعموهم لكي يقوموا بعملية تطهير واسعة وعميقة لكل الرتب الفاسدة فوقهم إلى قمة الهرم، وإعادة صياغة للدولة بكل فروعها خاصة السياسية والعسكرية، والأمنية والقضائية والإدارية. ادعموهم إذا أرادوا عقاب القتلة لأن من قتل يُقتل في الإسلام، ولا يحل شرعًا أن تتنازل قيادة الدولة الجديدة عن هذا المبدأ وتطبيقه.

٣- لا تفتحوا حوارات جانبية اليوم ولا في أي وقت قريب عن (تطبيق الشريعة) على أي مستوى من الأحكام الجزئية التي تتعلق بالمنكرات والعورات وأحكام الأسرة والمذهبيات والكلاميات، ولا تسمحوا بأن يشتت أحد انتباهكم بهذه الأمور ولو كانت صحيحة. لا صوت يعلو في هذه الأيام على تطبيق الحدود الشرعية بصرامة من أجل تنظيف الدولة من القتلة والسارقين والمختلسين والخونة من كل نوع. هذه هي أولوية تطبيق الشريعة عندكم اليوم.

٤- هدفكم ليس إقامة دولة (ديمقراطية) ولا إطلاق (الحريات) على الطريقة الأوروبية. هدفكم في الحكم اليوم هو إقامة دولة قوية وعادلة تستهدف مصلحة الناس، وهذا لن يقوم به إلا قوات من الجيش -من الشرفاء- التي تحتكر وسائل العنف في الدولة وقادرة على تطبيق الحدود وإشاعة الأمن، وقادرة على إحكام القبضة على الإعلام لمنع الإعلاميين الفاسدين من نشر أي أكاذيب أو ترهات أو تشتيت الناس عن أهداف الثورة في تطهير البلد.

٥- ليس هناك شيء اسمه (سيادة القانون) إذا كان القانون الذي يتحدثون عنه مشبوهًا كالقوانين التي سنّها الطغاة في بلدكم على مدار العقود السابقة لتقنين سرقتكم والطغيان عليكم، والذي كان مشرعوه قد استهدفوا مصالح خاصة سياسية واقتصادية وغيرها من الأغراض الفاسدة. هذه القوانين باطلة، ولا تقبلوا اليوم من أي جهاز تشريعي أقل من إبطال كل القوانين سيئة السمعة وعدم التحاكم إليها.

٦- لا يصح الآن أن تجرى انتخابات ديمقراطية نزيهة ولا غير نزيهة. يا إخواننا الأحبة في الجماعة الإسلامية البنغالية! لا تدخلوا معترك السياسة الآن على الطريقة الديمقراطية الغربية! ولا يغرنكم بريق السلطة بعد طول اضطهاد عن واقع جماعاتكم. الواقع هو أنكم على هامش المجتمع مهما كانت قدرتكم على حشد أنصاركم -وهم أقلية في المجتمع- للتظاهر. خذوا وقتكم حتى تدرسوا الدولة العميقة وتفهموا جيدًا كيف تتعاملون معها في قادم الأيام والسنوات. ربوا كوادر محلية ودولية على مدار عقد أو اثنين لكي يستطيعوا قيادة الدولة في الوقت المناسب. إذا انفضت جموع الناس في الأيام القادمة فلن تستطيعوا إعادتها إلى الشارع بنفس القوة لحمايتكم أو حماية أنفسهم، اعلموا أنكم ليس لكم سلطان على الدولة العميقة -وعلى رأسها قيادات الجيش الحالية- التي تكرهكم وتريد قتلكم جميعًا إلى آخر رجل. واعلموا أنكم ليس لكم سلطان حقيقي على وسائل العنف في يد الجيش والشرطة، ولابد أن تعتمدوا على الشرفاء فيهم -مهما كانوا أقلية- من أجل إدارة الدولة في المرحلة القادمة. أعينوهم وساعدوهم ولا تتطلعوا إلى السلطة -رجاءً-، فموازين القوى الخشنة الحقيقية في داخل البلد وخارجها لن تسمح لكم بسلطة حقيقية وستسعى لتصفيتكم، ولن تحميكم دولة أخرى، لا باكستان ولا غيرها.

٧- أخيرًا، لابد أن يخطط الثوار لكي يتعاظم تأثيرهم على الإعلام لتحقيق التوعية على المدى القصير، والتعليم لتحقيق التوعية على المدى البعيد. اضربوا بيد من حديد على الإعلاميين الفاسدين الذين يريدون العودة بكم إلى النظام القديم، ولا تنخدعوا بشعارات حرية الإعلام. ليس هناك شيئ اسمه إعلام حر لا في الشرق ولا في الغرب، بل الهدف هو إعلام صادق ومعبر عن أهداف ثورتكم، فمن كذب في الإعلام فحاكموه. واهتموا بالتعليم حتى يمكن خلال سنوات أن ينشأ جيل جديد يؤهله تعليمه لكي تقف الدولة على قدميها وتحافظ على وجودها.

هذه نصائح من محب، وهي كلها من وحي تجارب الربيع العربي المُرّة، وقد نادينا مع آخرين -وكانوا قلة- بمثل هذه النصائح أيام الربيع العربي فلم نلق آذانًا صاغية، وسبق قدَر الله فيما قدَّر، وإنما الأعمال بالنيات، وعند الله تجتمع الخصوم. أما أنتم فلا ينبغي أن تلدغ الأمة من جحر مرتين، فالحذر الحذر. ألا هل بلغناكم؟ اللهم فاشهد. نصركم الله وسدد خطاكم.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان