جدلية العقل والنقل
حقائق أم اوهام ؟
استمعت إلى مقطع مرئي ومسموع لشيخ يقدم دروسا في العقيدة يقول فيه “يظهر الأشاعرة في ثلاثة قضايا: يقدمون العقل على النقل، ويفرقون بين المتواتر وغيره في نصوص الوحي، ويؤولون النصوص وفق مقتضى العقل”. والنَّفَس الذي عرض به هذا كلام، يظهر عليه بجلاء الانطلاق من موقف مسبق، يدين هذا المذهب الكلامي، وإلا فالواقع أن هذه الأمور كلها فيها تفاصيل، يعرفها كل من قرأ القليل في علوم الوحي، وما يتعلق بقضايا علم الكلام والأصول والاجتهاد والتقليد والمقاصد.
ومع ذلك فموضوعنا ليس الخوض في الموضوع من هذا الجانب، وإنما أريد الرجوع بالمسألة إلى أصولها التي لا تزال تجر معها الكثير من الأخطاء والمزالق والاختلالات إلى اليوم، وهي جدلية “النقل والعقل”، التي تناقلناها كمسلمة على أنها صراع بين جهتين، لا يمكن الاستغناء عنهما أو عن أحدهما، بحيث ذهب البعض أن العقل يمكنه أن يدرك الحقائق بمفرده، بمعزل عن الوحي، بينما عارضهم غيرهم بأن العقل لا يمكنه أن يدرك الحقائق بحيث يحسن أو يقبح؛ لأن الذي يحسن أو يقبح في نظر هؤلاء هو الوحي، رغم أن الموضوع اوسع من أن يناقش في إطار هذه الجدلية الجزئية المنحصرة في علاقة العقل بالوحي، على أهميتها. وقد ألف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه القيم “درء تعارض العقل والنقل”، وابن رشد الحفيد “فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال”، وقررا في كتابيهما أن ليس هناك تعارض أو تدافع بين العقل ونصوص الوحي؛ بل نفيا أن يُتَصور تنافي بينهما، وإذا وقع ففي أحدهما خلل، إما خلل في ثبوت النص، او علة في فهمه، وهنا يكون الخلل في العقل الذي عجز عن الفهم. وكذلك ذهب الكثير من علماء الأصول والكلام والمقاصد، على اعتبار انه لا يمكن أن يتعارض مناط التكليف الذي هو العقل ونصوص الوحي التي هي التكليف ذاته.
والأمر في ما يبدو، مع تقديري لجهد علمائنا الأفاضل في الموضوع، ليس فيما بين العقل والنقل توافق أو تعارض؛ لأن لكل منهما مجاله الذي هو ليس مجال الآخر، ومهمته في الوجود.
فالنقل الذي هو الوحي، يمكن أن يذكر موازيا للكون، والاجتماع الإنساني، فهذه مجالات ثلاثة لكل منها قوانينها الموازية لقوانين الآخر، فالوحي منظومة متكاملة فيما بينها في إطارها، تعالج مسائل الغيب التي يعجز العقل عن إدراكها، والكون له قوانينه المتناغمة فيما بينها هي الأخرى، وهي قوانين خاصة بالجانب المادي من الحياة، والوجود الاجتماعي الإنساني هو الآخر له قوانينه الناظمة للعلاقات الإنسانية فيما بينها، وهي قوانين تنظم العلاقات البشرية وعلاقاتها فيما بينها، وفيما بينها وبين غيرها في هذا الوجود.
والعقل في علاقاته بكل ذلك، هي علاقة الكاشف عن هذه القوانين التي تنظم كل جانب من هذه الجوانب، وتعملها وفق منهجيته في النظر إلى الوجود، وفق ما يخدم هذه المنظومات كلها…، فلم نسمع في التاريخ من قال جدلية العقل والكون!! او جدلية العقل والوجود الإنساني!! كما توارثنا نحن المسلمون فكرة جدلية العقل والنقل.
إن العقل وظيفة، ومن لم يعط لهذه الوظيفة حقها من التوظيف والاستثمار فهو إما غير مكتمل العقل أو معطلا له، ومن ثم فهو المجنون[1]، وليس من فقد عقله رغما عنه. ووظيفة العقل هي البحث في القوانين الناظمة لتلك المجالات الثلاثة: الكون والإجتماعي الإنساني والوحي، التي سماها المفكر الجزائري الأستاذ الدكتور الطيب برغوث في منظور السننية الشاملة بميزانية التسخير[2]، وكما جاء في قوله تعالى (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فصلت 53]، وقوله (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ) [طه 123]، ومجموع هذه الآيات المبثوثة في الأفاق والأنفس والهداية، تمثل منظومة فكرية متكاملة تستخرج من ومجالاتها: الكون والاجتماع الإنساني والوحي، ودور العقل هنا هو البحث والتنقيب والكشف عن هذه الآيات المبثوثة في المجالات الثلاثة. ويضاف إلى هذه المجالات الكبيرة مجال آخر وهو الفعل الإلهي الناظم لهذه الآيات المبثوثة هنا وهناك؛ لأن هذه الآيات والقوانين لا تشتغل بمفردها منفصلة عن بعضها البعض أو عن الإرادة الإلهية كما يتوهم الواهمون، وإنما تشتغل في إطار تكاملي ومتناغم وضعه الله فيما يعرف في عقيدتنا الإسلامية بالقدر الذي أمرنا بالإيمان به أدركنا معناه او جهلنا، ولذلك ربط الله بين الجهد الإنساني الكاشف عن تلك القوانين وسلطانها على الواقع الإنساني، وبين تأييده سبحانه لكل مدرك لحقائق الوجود وسسنها الناظمة لها، في هذا الإطار الجتمع المتكامل، فكل من كشف عن قانون في هذا الوجود بفضل نشاطه العقلي الباحث في هذه المجالات الثلاثة، يؤيده الله فيما أدرك من حقائق وآيات في هذا الوجود التي هي رهن النشاط العقلي وتفاعله مع الوجود الكوني والاجتماعي الإنساني والوحي، سواء كان هذا الإدراك كليا أو جزئيا، فكل حقيقة يدركها الإنسان تجد التأييد الإلهي داعما للمسار المُوفَّق (كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) [الاسراء 20].
لا شك أن هناك فروقا بين هذه المجالات الثلاثة وفي علاقتها بالعقل، فالكون قوانينه مادية وواضحة دقيقة، والعقل يستسيغ التعامل معها بسهولة؛ لأنه يكتشف قوانينها ويستطيع إخضاعها للتجربة والمشاهدة دائما، على خلاف علاقته بالعلوم الإنسانية فهي أقل وضوحا من قوانين المادة، وغير قابلة للتجربة والمشاهدة مثل المادة، ولكنها خاضعة للخبرة التاريخية، إذ أن قوانين التاريخ واحدة لا تتبدل ولا تتغير، ولذلك كانت الخبرة التاريخية هي مصدر العلوم الإنسانية كلها، والبحث في قوانين الاجتماع الإنساني كله نشاط عقلي معلل ومدلل كما تعلل وتدلل قوانين المادة وسنن الآفاق، وإن كانت أقل وضوح وأبطأ في التطور من قوانين المادة، اما عالم الوحي فهو أقل وضوحا من قوانين المادة والاجتماع؛ بل إن العقل يعجز عن فهمه كما ينبغي، ومع ذلك فهو الأدق والأمتن في التعبير عن الغايات الإنسانية ومُثُلها العليا، وفي إطار خبرة أخرى تختلف عن وقوانين الطبيعة والخبرة التاريخية، التي خبرها العقل واستساغ التعامل معها، وهي الخبرة النبوية، التي تراكمت فيها تجارب الأنبياء مع أقوامهم وتنوعت شرائعهم وأساليبهم في دعوتهم، إذ لم يخل جيل من نبوة (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۚ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) [فاطر 24]، “أي: بشيرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) أي: وما من أمة خلت من بني آدم إلا وقد بعث الله إليهم النذر، وأزاح عنهم العلل، كما قال تعالى (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) [الرعد 7]، وكما قال تعالى (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة) [النحل: 136]، والآيات في هذا كثيرة“[3]، وخاتمتهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم “إِنَّ مَثَلي وَمَثَلَ الأنبياءِ من قبلي، كمثل رجل بنى بُنْياناً فَأحْسَنَه وأَجْمَلَه، إلا موضعَ لَبِنَة من زاوية من زواياه، فجعل الناسُ يطوفون به، ويَعْجَبون له، ويقولون: هلا وُضِعَتْ هذه اللَّبِنَةُ؟ قال: فأنا اللَّبِنَةُ وأنا خَاتَم النَّبيِّين”[4]، ومعنى ذلك ان تعامل العقل مع الوحي ليس جديدا، وإنما هو موصول بالخبرة التاريخية وتجارب الأنبياء فيها، وضعف طاقة العقل في فهمه للوحي، لا يعني انه لا يدرك غاياته ومغازيه، وإنما لأن الوحي له مساره في التعليل المختلف عن القضايا المادية المتعلقة بالحياة الدنيا، والذي يهدف إلى المصائر والنهايات الحقيقية والصحيحة والخاتمة التي ليس بعدها شيء إلا الخلود والبقاء الدائم، والثمار المخلدة لأصحابها. وخبرة الإنسان في التعامل مع الوحي عبر النبوات المتتالية والمختتمة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، تكفيه للوصول إلى المقررات المطلوبة؛ لأن الخبرة الإنسانية في ذلك قد حددت معالم، للتعامل مع الغيب وفق منهجية علمية، تسمح للعقل بالنشاط الإيجابي في ذلك، كما تعامل مع قوانين الطبيعة والاجتماع الإنساني، وقد قرر العلماء قواعد منهجية في ذلك في مثل قولهم “إن كنت ناقلا فالصحة أو كنت مدعيا فالدليل”[5]؛ بل وضعوا علوما كثيرة، تعرف اليوم بعلوم الوحي أو علوم الشريعة، كلها مستندة إلى الوحي وهي من وضع عقول إسلامية كبيرة مدركة لأساسيات التعامل مع الوحي وغاياته؛ بل أخذت بعين الاعتبار خبرات الأنبياء السابقة كلها، فيما يعرف عن الأصوليين “بشرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟” فكان الجمهور على أنه شرع لنا إذا ورد في صحيح الوحي كتابا أو سنة، وقد قص لنا القرآن الكريم الكثير من تجارب الأنبياء مع أقوامهم في العصور المختلفة، في سياق واحد في جميع المجالات التي ذكرنا، ولذلك كانت الخبرة النبوية المحمدية هي الأكمل لكونها جمعت بين المجالات كلها، فتفاعل العقل مع فروعها بمنهجية تكاملية لا تغلب طرفا منها عن غيره (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [القصص 77]، وذلك هو الصراط المستقيم الذي حثنا القرآن الكريم على التمسك به[6] (وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام 153]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن مسعود “خطَّ لنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خطًّا فقا: هذا سبيلُ اللهِ ثمَّ خطَّ خُطوطًا عن يمينِه وعن شِمالِه ثمَّ قال : وهذه سُبُلٌ، على كلِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يدعو إليه، ثمَّ تلا: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا) [الأنعام: 153] إلى آخِرِ الآيةِ“[7].
[1]– جودت سعيد اقرأ وربك الأكرم
[2]– سؤال النهضة في منظور السننية الشاملة
[3]– تفسير ابن كثير
[4]– رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رقم 6340 انظر جامع الأصول.
[5]– الدكتور محمد سعيد رمضان االبوطي، كبرى اليقينيات الكونية
[6]– الطيب برغوث خريطة منظور السننية الشاملة في القرآن الكريم
[7]– شعيب الأرناؤوط، تخريج صحيح ابن حبان أنظر موقع https://dorar.net
-150x150.jpg)