القائد الإسلامي صلاح الدين الأيوبي وجهوده في التوحيد والتحرير
ردود الفعل على معركة حطِّين (24)
بقلم: د. علي محمد الصلابي
(الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين)
1 ـ فرحة القاضي الفاضل بنصر حطِّين: كان القاضي الفاضل غائباً عن نصر حطِّين بدمشق، فلمَّا بلغته كتب إلى السُّلطان: لِيَهْنِ المولى: أنَّ الله قد أقام به الدين القيِّم، وأنَّه كما قيل: أصبحتَ مولاي، ومولى كلِّ مُسْلم، وأنه قد أسبع عليه النعمتين: الباطنة، والظاهرة، وأورثه المُلكين: ملك الدنيا، وملك الاخرة. كتب المملوك هـذه الخدمة، والرؤوس إلى الان لم تُرفع من سجودها، والدُّموع لم تُمسح من خدودها، وكلَّما فكَّر المملوك: أن البِيَع تعود؛ وهي مساجد، والمكان الذي يقال فيه: إن الله ثالث ثلاثة يقال اليوم فيه: إنَّه واحدٌ؛ جَدَّد لله شُكراً تارةً يفيض من لسانه، وتارة يفيض من جَفْنه (كتاب الروضتين، (3/300، 301).
2 ـ من شعر العماد الأصفهاني في حطِّين:
|
يا يومَ حطِّينَ والأبطالُ عابسةٌ |
|
وبالعجاجة وجهُ الشَّمس قد عَبَسا |
3 ـ وقال الشهاب فتيان الشَّاغوري:
|
جاشت جيوش الشرك يوم لقيتهم |
|
يتذامرون على متون الضمَّرِ (السابق، م3، ص300ـ301). |
4 ـ وقال أبو الحسن علي السَّاعاتي في فتح طبريَّة:
|
جَلَتْ عزماتك الفتحَ المُبينا |
|
فقد قرَّت عيونُ المؤمنينا |
|
منالٌ بذَّ أهلَ الأرضِ طُرَّا |
|
سِوَاك ومَعقِلٌ أعيا القرونا |
وقال أيضاً:
|
فلا عَدِمَ الشامُ وساكنوه |
|
ظُبَاً تُشْفى بها الداء الدَّفينا |
|
5 ـ رُؤيا عجيبة: كانت والدة السُّلطان صلاح الدين تخبر: أنَّها أُتيتْ في نومها؛ وهي حامل بالسُّلطان، فقيل لها: إنَّ في بطنك سيفاً من سيوف الله تعالى.
6 ـ فتوحات السَّاحل قبل فتح القدس:بعد أن منَّ الله على صلاح الدين الأيوبي بالنَّصر المظفَّر على الصَّليبيين في معركة حطين الخالدة ، والتي كانت بمثابة «مفتاح الفتوح الإسلامية» في المنطقة؛ أراد تتويج جهاده العظيم بتحرير المدينة المقدسة ، وطرد الصليبيين منها ، إلا أنَّه لم يتوجَّه نحو مدينة بيت المقدس مباشرةً، وإنما اختار التوجُّه نحو الساحل لفتح المدن ، والحصون ، والقلاع الصَّليبية المنتشرة هناك ، وذلك لعدَّة أسباب ، منها:
أ ـ إن قيامه بالهجوم مباشرة على المدينة المقدسة سيؤدي إلى استنفار كافة القوَّات الصليبية في المنطقة ، فتجتمع في حربها ضدَّه ، ممَّا قد يصعب ، ويؤخِّر عملية التحرير.
ب ـ إنَّ فتح المدينة من قبل صلاح الدين قد يحدث قلقاً شديداً لدى العالم الغربي؛ الذي ربما يؤدي إلى اندفاعه بكلِّ قواه لمحاربته.
ج ـ وكذلك لعلمه بقوَّة التحصين التي فرضها الصَّليبيون على هـذه المدينة داخل الأسوار ، وخارجها.
د ـ أراد بتوجهه نحو مدن السَّاحل أن يحرم الصَّليبيين من قواعدهم البحرية التي تربطهم بالعالم الخارجي، وبخاصةٍ الغرب الأوروبي، فيمسوا محصورين داخل بلاد الشام.
هـ كما أنَّه أراد أيضاً تسهيل الاتصال البحري السَّريع بين موانئه البحرية الموجودة على السَّاحل المصري، وبين تلك الموانئ المنتشرة في السَّاحل الشامي.
لذلك كلِّه قام صلاح الدين بالتوجُّه إلى المواقع الصَّليبية المنتشرة على الساحل ضمن خطة تكفل استتنزاف قوَّاتهم، وتمنع وصول الإمدادات إليهم من أوروبا (صلاح الدين، الصلابي، ص428).
وفي يوم الأحد 25 ربيع الآخر سنة 583 هـ/5 تموز 1187 م نزل صلاح الدين على طبرية واستولى على قلعتها، وأقام بها إلى يوم الثلاثاء يرتِّب أمورها، ثم ولاَّها لصارم الدِّين قايماز النجمي، وفي يوم الأربعاء 8 تموز 1187 م تقدَّم صلاح الدين نحو عكَّا، وما أن وصلها حتى خرج إليه أهلُها يتضرَّعون، ويطلبون الأمان، فأمنَّهم على أنفسهم وأموالهم، وخيَّرهم بين الإقامة والرَّحيل، فاختاروا الرَّحيل، فدخلها الجيش الأيوبي يوم الجمعة جمادى الأولى 583 هـ ، واستولوا على ما فيها من الأموال والذخائر، وأطلقوا سراح من كان بها من الأسرى المسلمين، وكانوا أربعة آلاف، دون أن يلحقوا أذى بأهل البلد أو بالتُّجار البنادقة والبيازنة (سياسة صلاح الدين، دريد نوري، ص 297).
فكان لهـذه السياسة السمحة التي اتبعها صلاح الدين فوائدُ كثيرةٌ؛ حيث ساهمت في تسهيل مهمة فتح مدن السَّاحل دون مقاومةٍ كبيرةٍ نتيجةً لما حدث في عكَّا، كما حافظت سياسته تلك على استمرار الحياة الاقتصادية في المدينة بعدما لمسه التجار الغربيُّون من عدله وسماحته، وأقام صلاح الدين في مدينة عكَّا لفترةٍ من الوقت، حيث اتَّخذها مركزاً لانطلاق جيوشه لفتح المعاقل القريبة، مثل: الناصرة، قيسارية، حيفا، صفورية، الشقيف، الفولة، الطور، وغيرها من البلاد المجاورة؛ حيث استولى عليها. ثم جرى الاستيلاء على مدينة نابلس، وتمَّ إقرار أهالي البلدة على أموالهم، وأملاكهم؛ لأنَّهم كانوا مسلمين، وقد مكثوا في المدينة بعد استيلاء الصَّليبيين عليها (صلاح الدين وتحرير القدس، علية الزبدة، ص 126).
كما تمَّ فتح كلٍّ من صيدا، وبيروت، ومنطقة جبيل، وقرَّر صلاح الدين أن يكون فتح مدينة صور بعد فتح بيت المقدس، ولذلك أراد التوجه نحو عسقلان؛ لأنَّ أمرها أيسر، ولأنَّها تقع في ملتقي الطرق، بين بلاد الشام، ومصر. وفي طريقه إلى عسقلان استولى على الرَّملة، وحصن تبنى، وبيت لحم، والخليل، واستسلمت له عسقلان في رجب سنة 583 هـ/أيلول سنة 1187 م.
كما فتح مدن: غزة، والداروم، وأرسوف، والنَّطرون، وبيت جبريل، كما زحف العادل أخو صلاح الدين من مصر، واستولى على يافا، وبذلك سقطت المدن والحصون الداخلية ما عدا الشُّوبك، والكرك الَّلتان بقيتا على المقاومة.
وهكذا دخل الساحل برمَّته تحت إمرة صلاح الدين من بيروت إلى يافا ما عدا مدينة صور؛ التي دخلها المركيز «كونراد دي مونتفران». في ذلك الوقت، وكان شديد القوة كثير الحيلة، والمال، فشرع بتحصين المدينة، وتجديد حفر الخندق استعداداً لملاقاة صلاح الدين، وخصوصاً وأن الجيوش الصَّليبية التي خرجت من مدن الساحل قد تجمَّعت جميعها في مدينة صور، بعد أن ترك لها صلاح الدين حرية الاختيار بين الرَّحيل إلى بيت المقدس، أو مدينة صور، فقصد معظمُهم صور (مفرج الكروب، جمال واصل، (2/208، 209).
المصادر والمراجع:
1. سياسية صلاح الدين في بلاد مصر والشام والجزيرة، دريد نوري، جامعة بغداد، 1976م.
2. صلاح الدين وتحرير القدس، علية المهتدي الزبدة، الطبعة الأولى 1414 هـ 1994م وزارة الثقافة الأردنية.
3. صلاح الدين الأيوبي، على محمد الصلابي، دار ابن كثير، بيروت، ط1، 2009م.
4. كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1418 هـ 1997م.
5. مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، جمال الدين محمد بن سالم بن واصل.
-150x150.jpg)