عطية أبوالعلا
إن المتأمل لآيات القرآن الكريم وما تشتمل عليه من فضائل إنسانية وقيم خلقية يشعر بمدى حاجة الإنسانية المعذبة اليوم إلى هذه الأخلاق، والدعوة إلى التمسك والتخلق بها، وقاية لها من هذا الانحلال الأخلاقي السائد اليوم في حياة الناس، إذ الأخلاق ومكارمها لم تعد تحظى بقيمتها في الأوساط الاجتماعية في حياة الأمم، والواقع المعاش والمشاهد، والمسموع والمقروء، يؤكد أن المجموعة البشرية في حالة انهيار أخلاقي ينذر بهلاك الأمم، وسقوط حضاراتها وتدمير حقيقي وفعلى للبشرية.
وكذلك فإن المفكرين والفلاسفة منذ أقدم العصور إلى عصرنا هذا وهم يبحثون في الأساس الذي يقوم عليه صرحُ الأخلاق ويحاولون معرفة عِلَّة نشأة الأخلاق التي بها يستقيم أمر الفرد وتصلح أمور الجماعة. ومن هنا كانت هذ القراءة عن الفضائل الإنسانية بين القرآن والفلسفة.
مفهوم الفضائل الإنسانية في القرآن والفلسفة
في اللغة: لفظة الفضيلة ترجع إلى أصلين لغويين كلٌ منهما يحمل جملة من المعاني والدلالات:
الأصل الأول: “فضل يفضل، كدخل يدخل، بمعنى الزيادة، وسواء كان المزيد زاد عن الاقتصار، أو فاضل غيره، للدلالة على زيادة أحد الشيئين على الآخر”([1]).
الأصل الثاني: “فضل يفضل، كحذر يحذر، بمعنى التميز، ومنع فضل الإنسان على غيره من الحيوان”([2]).
وكلا هذين الأصلين فيما إذا كان الفصل لازماً، وللأصل الثاني فرع آخر، فيما إذا تعدى الفعل، ليُشار به إلى الإحسان فيقال: “تفضل الرجل على فلان، وأفضل إذا أناله من فضله وأحسن إليه”([3]).
وفي الاصطلاح: نجد أن مفهوم الفضل هو: “استعداد راسخ لإرادة الخير، أو لإنجاز نوع معين من الأفعال الأخلاقية”([4]).
الإنسانية :
في اللغة: الإنسانية مصدر صناعي: وهو اسم زيدت في آخره ياء مشددة، بعدها تاء مربوطة: (ية)، للدلالة على ما فيه من الخصائص نحو: الإنسانية، فإنها تدل على خصائص الإنسان، و(اللصوصية)، فإنها تدل على خصائص اللصوص. ولا فرق في ذلك بين أن يكون الاسم عربياً أو أعجمياً، أو جامداً أومشتقاً، أو مثنى، أو جمعاً،.. نحو: (الحيوانية – الرأسمالية – الاشتراكية)([5])، والإنسانة خلاف البهيمية وجملة الصفات التي تميز الإنسان أو جملة أفراد النوع البشري التي تصدق عليها هذه الصفات، والاسم الذي جاءت منه كلمة الإنسانية هو الإنسان: وهو الكائن الحي المفكر، وهي من الأنس بالشيء وإليه، أنس: سكن إليه وذهبت به وحشته، يقال: لي بفلان أنس وأنسة وفرح([6]).
في الاصطلاح: يمكن تعريف “الإنسانية” – مجردة – على أنها: تلك المعاني الروحية والخصائص التي بها يتميز الإنسان عن غيره من المخلوقات، ولأجلها سخر الله الكون لخدمته، وبها حمل الأمانة وعهد الله إليه بالخلافة([7]).
الفضائل الإنسانية بين القرآن والفلسفة: يقصد بهذا المصطلح المركب: الصفات الخلقية السامية التي تمثل الجانب الإنساني والروحي لدى الإنسان ومفهومها ومحاورها بين القرآن الكريم والفلسفة.
الفضائل الإنسانية في ضوء القرآن الكريم:
الفضائل في الإسلام: تتمثل في الخير والأعمال الخيرية، ويذكر في القرآن والأحاديث النبوية ما يشجع على فعل الخير وبخاصة للمحتاجين، وذلك بالانفاق عليهم من دون تبذير أو إسراف، والمغفرة: يولي الإسلام بحثاً في القرآن والأحاديث النبوية على طلب المغفرة من الله تعالى، التسامح: يولي الإسلام أهمية كبرى للتسامح، متمثلاً في قبول الآخر مهما كان موقفه، الصدق: يعني الحفاظ على الإخلاص، والصدق في جميع المعاملات، وهو صفة يجب أن تلتمس في جميع جوانب حياة الإنسان، ويدعوا الإسلام إلى الصدق في الحديث والمعاملة والإيمان، اللطف والرأفة: يدعوا الإسلام في القرآن الكريم، إلى أن يكون الإنسان رؤوفاً بكل مخلوقات الله، والعدل والقسط: يدعو الإسلام إلى العدل والابتعاد عن البغي، والوفاء بالعهد: يعطي الإسلام الأمر بإيفاء العهود، لما عاهدوا الله عليه وما عاهدوا البشر، والتواضع: يشدد الحديث الشريف أن التواضع هو جزء من الإيمان ويكون بتواضع المظهر، والتصرف والتعامل مع الآخرين، والحديث المحتشم: يطلب القرآن من المؤمنين بصون لسانهم والتجادل مع الآخرين بالتي هي أحس، والإخلاص: يدعو الإسلام إلى الوفاء بالالتزامات والقيام بالأعمال بإخلاص تام، والصبر: وهي من الفضائل التي يشجع الإسلام المؤمنين بالتحلي به، تجنب الغضب: شجع إسلام المؤمنين على كتم الغضب وتجنبه، واحترام الأكبر سناً([8]).
وهناك مجموعة من الأطر التاي تقوم عليها الفضائل الإنسانية من المنظور الإسلامي، وهي: الإطار الفلسفي الأيديولوجي وهو الذي يتضمن توضيح الأصول المعرفية والوجدانية والسلوكية لتصور الإسلام للقيم من حيث طبيعتها، ومصادرها، وخصائصها، ومميزاتها. إضافة إلى الإطار الحضاري الذي يعني بتوضيح منظومة قيم الإسلام الحضاري في مقابل غيرها من المنظومات القيمية. حيث تبنى هذه المنظومة على مصادر الفكر الإسلامي وتصوراته، مما يجعلها متميزة عن غيرها من المنظومات القيمية([9])
وتتميز الفضائل الإنسانية في الدين الإسلامي بجملة من الخصائص التي قننتها وميزتها ومنحتها قيمتها؛ فالأخلاق في الإسلام قبل أي شيء مرتبطة بالعقيدة الإسلامية، أي إن العقيدة الإسلامية تمثل أساس التربية الخلقية، وهذا ما يمنح الأخلاق الإسلامية ثباتها وديمومتها، لأنها تنطلق من شريعة ثابتة دائمة. كما أن الأخلاق الإسلامية متكاملة، وهي ليست فطرية وإنما تكتسب بالتجربة والممارسة. وهي علاوة يسهل تطبيقها لأنها واقعية وليست بمعزل عن الواقع المعيش([10])
الفضائل الإنسانية من المنظور الفلسفي
الفضائل الإنسانية: عرفت بأنها أجناس أربعة هي الحكمة والسخاء والشجاعة والعدالة([11])،، وعرفها بترسون وسيلجمان Peterson & Seligman، بأنها الفضائل الستة المسئولة عن تحقيق السعادة وهي: الحكمة والمعرفة، والشجاعة، والحب والإنسانية، والعدالة والإنصاف، والاعتدال وضبط الذات، والسمو والروحانية([12]).
وذلك من خلال العلاقات الإنسانية والتي تعرف بأنها الممارسات السلوكية أو التفاعل الذي يقوم على التفاهم والاحترام المتبادل والثقة المتبادلة بهدف التوفيق بين إرضاء المطالب البشرية والإنسانية للأفراد وبين تحقيق الأهداف المرجوة([13])
أنواع الفضائل من المنظور الفلسفي: هناك عدة أنواع للفضائل أهمها: الفضائل اللاهوتية وموضوعها الله وهي الإيمان والرجاء والمحبة. الفضائل العقلية وموضوعها أمور تتعلق بالملكات العقلية في الإنسان: التميز والحكمة. الفضائل الخلقية: وعلى رأسها الفضائل الأصلية، وهي الفطنة، والشجاعة، والعدل، والعفة([14])
أهمية الفضائل الإنسانية من المنظور الفلسفي: إن الفضائل شأن إنساني محض، وبلا شك اختراع إنساني منذ أن وعى الإنسان وجوده وتاريخه على الأرض، ولأن الفضائل ذات خصوصية إنسانية بحتة، وليست لغيره من سائر الكائنات الأخرى، فلا يوجد أي مخلوقات أخرى غير البشر يمتلكون الفضائ الإنسانية، لأنها وجدت للصراع الإنساني، بهدف ضبط حركة الواقع التاريخي، ففضائل العدل، وبر الوالدين، والشجاعة، والمروءة، والكرم، والتسامح، والإخلاص، والصبر، والوفاء، والحب، والحلم، والعطف والحكمة؛ كلها فضائل بشرية في الواقع الإنساني، ففضيلة العدل مثلاً؛ لم ولن تدركها البشرية إلا بعد معاناة طويلة مستأسدين مستبدين، وبين جموع محرومة من حقوقها السياسية والاجتماعية، فبداية العدل تتم من وجود نزاع وخلل بين طبقات المجتمع، ووجود ظالم ومظلوم بين البشر، منهم من يجأر بسبب الظلم والاعتداء على حقوقه المشروعة وآخرون يستحلون المحرمات، وقس على ذلك سائر الفضائل الإنسانية الأخرى، فهي وليدة حركة الواقع التاريخي المأزوم بين الجماعات البشرية على اختلاف أجناسها([15])
وفي خضم الحديث عن دور الأخلاق والفضائل في إحداث التغيير على مستوى الفرد والنظام، يرى الفلاسفة المحدثون أن علم الأخلاق والفضيلة ليس باستطاعته أن يبدل الحياة ويغير الطبائع دفعة واحدة، ولكنه يحدث تأثيراً في البعض، وطوال تاريخ علم النفس تعتبر الفضيلة محط اهتماماً كبيراً من قبل، صانعي السياسة، والآباء والمعلمين والمربين([16]).
كما تبين أن فهم الفضائل الإنسانية، يمكن أن يجعل للحياة قيمة تساهم فعلياً في منع الاضطرابات والضغوط النفسية أو تقلل منها([17]).
الفضائل الإنسانية في جزء قد سمع، مقارنة مع الفلسفة.
أ- الشجاعة: في اللغة: قال ابن فارس معرفاً الشجاعة لغةً: “شجع الشين والجيم والعين أصل واحد يدل على جرأة وإقدام، وربما كان هناك ببعض الطول، وهو باب واحدٌ، من ذلك الرجل الشجاع، وهو المقدام”([18]).
في الاصطلاح: قال الفارابي: “الشجاعة شدة القلب عند البأس، وقد شجع لرجل بالضم فهو شجاعٌ، وقوم شجعةٌ وشجعان”([19]).
قال الإمام بن حزم: “حد الشجاعة بذل النفس للموت عن الدين والحريم وعن الجار المضطهد وعن المستجير المظلوم وعن الهضيمة ظلماً في المال والعرض وفي سائل سبل الحق سواء قل من يعارض أو كثر”([20]).
وقد عرفها الجرجاني فقال: “هي هيئة حاصلة للقوة الغضبية([21]) بين التهور والجبن، بها يقدم على أمور ينبغي أن يقدم عليها، كالقتال مع الكفار ما لم يزيدوا على ضعف المسلمين”([22]).
ب- الشجاعة من المنظور الإسلامي: يقول فيلسوف الأخلاق المسلم ابن مسكويه عن الشجاعة أنها (فضيلة النفس الغضبية وتظهر في الإنسان بحسب انقيادها للنفس الناطقة المميزة واستعمال ما يوجبه الرأي في الأمور الهائلة أعني أن لا يخاف من الأمور المفزعة إذا كان فعلها جميلا والصبر عليها محمودا) ([23]).
ويقول الإمام الغزالي في الإحياء (فأمهات محاسن الأخلاق هذه الفضائل الأربعة وهي الحكمة والشجاعة والعفة والعدل والباقي فروعها وَالْمُجَاهَدَةُ بِالنَّفْسِ هِيَ الشَّجَاعَةُ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى اسْتِعْمَالِ قُوَّةِ الْغَضَبِ عَلَى شَرْطِ الْعَقْلِ وَحَدِّ الِاعْتِدَالِ فَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الصَّحَابَةَ فَقَالَ أشداء على الكفار رحماء بينهم إِشَارَةً إِلَى أَنَّ لِلشِّدَّةِ مَوْضِعًا وَلِلرَّحْمَةِ مَوْضِعًا فَلَيْسَ الْكَمَالُ فِي الشِّدَّةِ بِكُلِّ حَالٍ وَلَا في الرحمة بكل حال) ([24]).
والشجاعة من الصفات القيادية التي حث عليها الإسلام، وأشارت إليها كتب القيادة الحديثة، وهي تعني أيضاً المسئولية المقننة، تلك التي لا تبنى على قرارات شخصية، وإنما يتحمل فيها القائد تبعات قراراته، إضافة إلى قدرته على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، من غير تردد أو خوف من المستقبل([25]).
وهي ملكة في النفوس تورث الأقدام على الأمور الكبيرة، والمخاوف الخطيرة للحصول على غاية سامية تنبعث من نفس شريفة تحت إشراف الحكمة للدفاع عنه من نفس ودين، أو وطن أو غير ذلك، وهي فضيلة من أسمى الفضائل: وإن شئت فقل إنها حارسة الفضائل كلها، وأس السعادة في الدنيا والآخرة، وليس يخفى ما لها من الأثر رقي في الأمم وتقدم الممالك في هذه الحياة.
ومن الآيات التي تناولت فضيلة الشجاعة في جزء قد سمع قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الحشر11].
حيث جعلت الآيات صفة الجبن و الخوف والخذلان وخلف العهود و المواعيد من صفات المنافقين و(هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول، ورفاعة بن التابوت، وقوم من منافقي الأنصار كانوا بعثوا إلى بني النضير وقالوا لهم: اثبتوا في معاقلكم فإنا معكم كيفما تقلبت حالكم، وإنما أرادوا بذلك أن تقوى نفوسهم عسى أن يثبتوا حتى لا يقدر محمد عليه الصلاة والسلام عليهم فيتم لهم مرادهم، وكانوا كذبة فيما قالوا من ذلك، ولذلك لم يخرجوا حين أخرج بنو النضير بل قعدوا في ديارهم، وقوله تعالى عز وجل: ﴿ولئن نصروهم﴾ معناه: ولئن حاولوا نصرهم فإنهم ينهزمون ثم لا ينصر الله تعالى أحدا منهم.
وجاءت الأفعال غير مجزومة في قوله تعالى: “لا يخرجون” و”لا ينصرونهم” لأنها راجعة على حكم القسم لا على حكم الشرط، وفي هذا نظر.
ثم خاطب تعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم مخبرا أن اليهود والمنافقين أشد خوفا من المؤمنين منهم من الله تعالى لأنهم يتوقعون عاجل الشر من المؤمنين ولا يؤمنون بآجل العذاب من الله تعالى، وذلك لقلة فهمهم بالأمور وتوفيقهم للحق) ([26]).
ج- الشجاعة من المنظور الفلسفي:
وهي شجاعة محاولة شيء جديد مخالف للتجربة، ومعارضة الاتجاه السائد والإقدام على المخاطرة. وهي دليل على الثقة بالنفس، والاعتداد بها. فقد يملك هؤلاء القادة أفكاراً جيدة حول الإبداع والابتكار أو حتى إدارة الإنسان ولكن الخوف من الوقوع في الخطأ يمنعهم من الإقدام على اتخاذ أي خطوة.
وفضيلة الشجاعة Courage: وتتضمن قوى الخُلق ذات الطيبة الانفعالية، التي تستحدث إرادة الفرد ودافعيته لتحقيق أهدافه في مواجهة العوائق التي تصادفه، ومن أمثلة تلك القوى: المثارة، والإخلاص، والجراءة، والنشاط([27]).
ومدلول الشجاعة ومفاهيمه الأخلاقية عند قدماء اليونان.. جاء تعبيراً صادقاً وانسجاماً كاملاً مع عواطفهم وعاداتهم وتقاليدهم ونمط تفكيرهم ملبياً بذلك حاجاتهم التي هي وليدة ظروفهم([28]).
فأرسطو عرف الشجاعة باعتبارها وسط بين الخوف والتهور وهي عبارة عن الخشية من الأزمات والشرور عامة([29]).
الإيثار:
أ- الإيثار: في اللغة: الاختيار والتقديم والتفضيل، وآثرته بالمد فضلته، وآثره عليه فضله، وآثرت فلاناً على نفسي من الإيثار([30]).
وهو: تفضيل الغير على النفس بشيء وتقديمه عليها مع حاجته إليه. وقال الجرجاني: “هو أن يقدم غيره على نفسه في النفع له والدفع عنه”([31]).
وفي الاصطلاح: هو تقديم الغير على النفس في حظوظها الدنيوية مع حاجته إليها، رغبة في الحظوظ الدينية([32]).
ب- الإيثار من المنظور الإسلامي:
حرص الإسلام على التعاون وحب الإيثار، وأفضل درجات الإيثار ما يكون دون مقابل منتظر، بل هدفه المشاركة الإيجابية في دفع الضرر عن الآخرين، وهو يعد من الجوانب الإيجابية عامة ولدى الشباب خاصةً، حيث يسهم بدور فعال في تحسين فرص البقاء، كما أنه يحقق منافع جمة للمجتمع من خلال بناء روابط اجتماعية بين الأفراد.
ويعتبر الإيثار من محاسن الأخلاق الإسلامية، فهو مرتبة عالية من مراتب البذل، ومنزلة عظيمة من منازل العطاء، لذا أثنى الله عز وجل على أصحاب الإيثار، ومدح المتحلين به، وبين أنهم المفلحون في الدنيا والآخرة([33])
وهو تقديم الغير على النفس في حظوظها الدنيوية مع حاجته إليها، رغبة في الحظوظ الدينية([34]).
ومن الآيات التي تناولت فصيلة الإيثار في جزء قد سمع قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9].
عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الغنيمة كما قسمت لهم، وإن شئتم كان لهم الغنيمة، ولكم دياركم وأموالكم، فقالوا: لا؛ بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ولا نشاركهم في الغنيمة فأنزل الله تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ فبين أن هذا الإيثار ليس عن غنى عن المال، ولكنه عن حاجة وخصاصة وهي الفقر، وأصلها من الخصاص وهي الفرج، وكل خرق في منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاص، الواحد خصاصة.
وذكر المفسرون أنواعا من إيثار الأنصار للضيف بالطعام وتعللهم عنه حتى يشبع الضيف، ثم ذكروا أن الآية نزلت في ذلك الإيثار، والصحيح أنها نزلت بسبب إيثارهم المهاجرين بالفيء، ثم لا يمتنع أن يدخل فيها سائر الإيثار، ثم قال: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ الشح بالضم والكسر، وقد قرئ بهما.
فإن الله أثنى على الأنصار بإيثارهم المهاجرين على أنفسهم فيما ينفقونه عليهم، وإن كانوا هم بحاجة إليه([35]).
حيث أن تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية حباً ورغبة فيما هو عند الله سبحانه وتعالى، وأملاً في رحمته جل شأنه، حصيلة إيمان كامل وثمرة يقين راسخ ولقد تألق المسلمون الأوائل في الإيثار وبلغوا فيه الدرجة العليا ومكانة عظمى.
ج- الإيثار من المنظور الفلسفي: يعرف فلسفياً بأنه ذلك السلوك الذي يقوم به الفرد بمجهود ما تطوعياً، وعن قصد بهدف التخفيف من معاناة الآخرين، وتحقيق الإفادة لهم، دون رغبة في تلقي أي منفعة من الآخرين جراء هذا العمل([36]).
ويوصف الإيثار بأنه من أرقى أنماط السلوك الاجتماعي الإيجابي، حيث أنه يمثل السلوك الخير الخالص الذي ينبع من داخل الفرد، ويقوم به طوعياً بلا مقابل بل يضحي بمصالحه الشخصية في سبيل الآخرين وإسعادهم، كما أنه من الصفات الكريمة التي يتحلى بها الفرد، ويعد أيضاً تفضيل الغير على النفس في الخير، كما أنه شعار النفوس الكبيرة الساعية لخدمة الإنسانية، والرغبة الدافعة لمساعدة الآخرين، فمن أهم مكتشفات علم النفس الحديث ما ثبت علمياً أن سعادة الفرد لا تتحقق بغير التضحية بالنفس في سبيل الغير([37]).
والإيثار من المفاهيم التي تحقق إرادة المعنى وتصل بالفرد إلى أعلى درة من درجات السمو، حيث يتميز الفرد المحقق لذاته بالإيثارية، إذ أنه يفضل تحقيق مصالح الآخرين أولاً، ثم ينظر إلى نفسه بعد ذلك، وهو هنا يدعم موقفه من خلال قوى المجتمع الداعمة للإيثار بين الأفراد([38]).
وكذلك للإيثار معنى مميز لدى علماء النفس هو اهتمام يخلو من الأنانية بمصالح الآخرين، وكما يؤثر الفرد مصلحة فرد واحد على مصلحته الخاصة فهناك نوع آخر من الإيثار، وهو الإيثار الاجتماعي أي إيثار مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد، وبذلك فإن الإيثار هو فعل يتم بقصد فائدة الآخرين، بدون الرغبة في تلقي أي منفعة منهم في المقابل([39]).
العفو:
أ- العفو: في اللغة: العفو “أصلح المحو والطمس، وهو من أبنية المبالغة”([40])، ويدل في أصل اللغة على عدة معاني، وله خمسة موارد، العطاء، والكثرة، والإسقاط، والذهاب، والطلب([41]).
ورد في معجم لسان العرب أن كلمة العفو التجافي عن الذنب، فالعفو هو فعول من العفو، وهو التجاوز عن الذنب، وترك العقاب عليه، وأصله المحو والطمس، وهو من أبنية المبالغة كل من استحق عقوبة فتركها، فقد عفوت عنه، والعفو عفو الله، عز وجل، عن خلقه، والله تعالى العفو الغفور([42]).
وفي الاصطلاح: ترك عقوبة المستحق وإسقاط الطلب.
ب- العفو من المنظور الإسلامي:
الإسلام دعا لفضائل كثيرة تصلح النفوس والمجتمعات، ومن هذه الفضائل العفو الذي هو فضيلة إنسانية وصفة حميدة يتحلى بها الإنسان؛ لأنه يدل على عظمة النفوس وكِبرها، ويدل على رجاحة العقول واتزانها، وهو ضبط للجوارح واستعلاء على مطالب النفس وميولاتها، ويزيد وضوح فضله أن الله سبحانه وتعالى وصف به نفسه، وهو صفة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بل خلقاً ودليل نبوة وبرهان رسالة، ومواطن عفوه صلى الله عليه وسلم في سيرته العطرة كثيرة لها آثارها.
دعا الإسلام إلى الصفح والعفو ونسيان السيئات، وإلى المروءة وعلو الهمة، وإلى الجود والكرام والتواضع والرفق والحلم، وإلى كثير غير ذلك من صفات النفس الإنسانية الكاملة. والروح الطاهرة الفاضلة. مما فيه نبل النفس، وطهارة الحس، وجميع صفات الخير والبر.
كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التغابن:14].
أخرج الترمذي والحاكم وصححاه وابن جرير وغيرهم عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم﴾ إلخ في قوم من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم فلما أتوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فرأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم فأنزل الله تعالى الآية ومن رواية أخرى عنه أنه قال: كان الرجل يريد الهجرة فيحبسه امرأته وولده فيقول: أما والله لئن جمع الله تعالى بيني وبينكم في دار الهجرة لأفعلن و لأفعلن فجمع الله عز وجل بينهم في دار الهجرة فأنزل الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم﴾ الآية.
وقيل: إنهم قالوا لهم لئن جمعنا الله تعالى في دار الهجرة لم نصبكم بخير فلما هاجروا منعوهم الخير فنزلت، وعن عطاء بن أبي رباح أن عوف بن مالك الأشجعي أراد الغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم فاجتمع أهله وأولاده فثبطوه وشكوا إليه فراقه فرق ولم يغز، ثم إنه ندم فهم بمعاقبتهم فنزلت، واستدل بها على أنه لا ينبغي للرجل أن يحقد على زوجه وولده إذا جنوا معه جناية وأن لا يدعو عليهم([43]).
ومن خلال الآية يتضح لنا أن ممارسة العفو تخلص الأسرة بشكل خاص، وأفراد المجتمع عموماً من الأحقاد التي تملئ قلوبهم، لاسيما وأن الحقد من الأمراض الاجتماعية المدمرة في نفس الحاقد؛ كونه يشغل القلب، والأعصاب، ويقلل البال، وقد تظلم الحياة في وجه الحاقد.
ويشكل العفو واحدة من أرقى الصفات النبيلة التي يتسم بها الإنسان العظيم صاحب العقل، الذي يتحمل أذى الناس بكل صدر رحب. ومن هنا فإن العفو يقتصر على المعاملات الشخصية، ولا يتعلق بالجانب العقائدي والواجبات الشرعية؛ حيث إنه لا يوجد في عقيدة الإسلام تغاض عن الأمور العقائدية([44]).
ج- العفو من المنظور الفلسفي:
استعداد الفرد للصفح عن حقه في رد الإساءة الموجهة إليه من شخص أو أشخاص آخرين، وغياب مشاعر الانتقام من المسيء([45])كما يعرف بأنه: ترك المشاعر والأفكار والسلوكيات السلبية واستبدالها بأخرى حياتية أو إيجابية تجاه الذات أو الأشخاص الآخرين([46]).
والعفو يحقق الانسجام بدرجة مميزة، ويعمل على التئام الجراح بين الأفراد، ويعمل في تحسين عمليات التوافق النفسي، ويسهم في تحسين الأداء.
التسامح:
أ- التسامح:
في اللغة: هي من مادة (سمح) والسماحة الجود سمح سماعة.
المسامحة المساهلة وفي الحديث المشهور السماح رباح أي المساهلة في الأشياء تربح صاحبها([47]).
و(سمح) السين والميم والحاء أصل يدل على سلاسة وسهولة([48]).
وفي الاصطلاح: لقد عرفها ابن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة بأنها (السهولة المحمودة فيما يظن الناس التشدد فيه، ومعنى كونها محمودة أنها لا تفضي إلى ضرر أو فساد.
ب- التسامح من المنظور الإسلامي:
أن التسامح في اللغة مأخوذ من سُمح بالضم، سامحه وجاد بما لديه وسمح لي فلان أي أعطاني، والسماحة الجود([49]).
فالتسامح: يعني “المساكنة والتعايش في إطار رؤية إسلامية تحترم حق الآخر في الرأي والعقيدة والفكر: ويعني التجاوز، والتساهل في المعاملة، ولين الجانب، والعفو عند المقدرة.
ويختلف مفهوم العفو اختلافاً طفيفاً عن مفهومي الصفح والتسامح، فالعفو يقصد به ترك معاقبة المسيء، مع القدرة على فعل ذلك. أما التسامح فيدل على عملية التساهل في معاقبة المسيء، بينما يشير الصفح إلى ترك المسيء تماماً والابتعاد عنه([50]).
ومن الآيات التي تناولت فضيلة التسامح في جزء قد سمع، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر:10].
حيث تعتبر لغة التسامح بين الناس على اختلاف أجناسهم ومشاربهم من أعظم وسائل إثراء المجتمعات فالله سبحانه وتعالى أراد التنوع لإثراء البشرية وتقدمها لا لتخلفها وتراجع إنتاجيتها والتاريخ يشهد أنه كلما كان المجتمع متنوعاً بثقافاته ومنفتحاً على الآخر كان التقدم حليفه في كل حين، وبالمقابل فإن التناحر وعدم قبول الآخر أدى على مر السنين إلى سفك الدماء والاعتداء على الحقوق وسبب هذا الأمر نزيف طاقة الشعوب بسبب التناحر فقلل الإنتاجية وحطم المواهب وألقى بالكفاءة بعيداً دون الإفادة منها.
ج- التسامح من المنظور الفلسفي:
هو طريقة تصرف شخص يتحمل بالاعتراض أذى مألوف يمس حقوقه الدقيقة، بينما في إمكانه رد الأذية([51]).
و: “هو أن تترك لكل إنسان حرية التعبير عن آرائه وإن كانت مضادة لأرائك، وقريب من هذا المعنى قول غوبلر: إن التسامح لا يوجب على المرء التخلي عن معتقداته أو الامتناع عن إظهارها أو الدفاع عنها أو التعصب لها، بل يوجب عليه الامتناع عن نشر آراءه بالقوة والقدح والخداع”([52]).
العلم
أ- العلم: في الل
-150x150.jpg)