آخر الأخبار

((( … لقد جاءكم رسول من أنفسكم … )))

شارك المقال على :

((( … لقد جاءكم رسول من أنفسكم … )))

الشيخ الدكتور تيسير رجب التميمي

     وما زلنا في شهر ربيع الأول ، هذا الشهر الذي تستذكر فيه الأمة من كل عام نعمة الله تعالى عليها بمولد رسوله ومصطفاه محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو مناسبة تستذكر فيها أيضاً مبعثه نبياً للرحمة والهداية ورسولاً بالحنيفية السمحة ومنقذاً لها من العنت والحرج ، قال تعالى { قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } الأعراف 156- 157 .

     يستذكر المسلمون الميلاد العظيم لهذا المربي والمعلم الذي رفع برسالته ذكرهم في الكون كله وبين الأمم كلها ، فهم الذين أتى عليهم زمان لم يكونوا فيه شيئاً مذكوراً لا في عالم الفكر ولا في عالم الحضارة بل ولا في الإنسانية كلها ، أما بعد فقد استحقوا الدرجات العُلاَ ، قال تعالى { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } آل عمران 110 . فهم الذين رسخوا قواعد الإسلام في الأرض وكتبوا تاريخه المجيد ، وهم الذين صاغوا مستقبله ورسموا صورته المشرقة في ذاكرة الإنسانية ، وهم الذين أسهموا في إيصال حضارته إلى أرجاء العالم ، وهم الذين سيحيون دوره في واقع البشرية مستقبلاً على الرغم من كل الحروب والهجمات التي يتعرض لها حالياً والتي تستهدف كل قواعده الأساسية وأركانه الراسخة وتفاصيله الفرعية .

     ابتدأ سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم بناء أمته في مكة المكرمة ، ثم واصل هذه المهمة في المدينة المنورة بالصفوة التي صنعها على عينه ، وأحاطها بعنايته ورعايته وتوجيهه حتى غدت نموذجاً فريداً يكاد لا يتكرر في البشرية . إنها الثمرة الجَنِيَّةُ للتربية النبوية التي تستمد أصولها من القرآن الكريم ، وتؤخذ دقائقها من السيرة النبوية الصادقة ، فأقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وكل ما صدر عنه كان تطبيقاً كاملاً وتبياناً مفصلاً للقرآن الكريم قال تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } النحل 43- 44 ، وهو أيضاً النموذج الحي للتربية الإسلامية والترجمة الواقعية للقرآن الكريم ، فقد سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلقه فقالت { كان خلقه القرآن } رواه أحمد ، أي كان عمله صلى الله عليه وسلم واجتهاده محكوماً بما دل عليه القرآن ودعا إليه من فعل الأوامر وترك النواهي والإكثار من ذكر الله تعالى واستغفاره والتوبة إليه والاعتبار بقصص الماضين ، فالمؤمن يجب أن يكون خلقه القرآن هكذا كنبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم في فعل الأوامر وترك النواهي والعناية بما في القرآن من ذكر الله والتوبة إليه والاستغفار والاعتبار بقصص الماضين والاتعاظ بما أصابهم ، فكل من أراد أن يعرف تفاصيل خلق حبيبه ونبيه محمد فليُقبِلْ على كتاب الله ، وفي كلمة عائشة هذه رسالةٌ ثمينة لكل مؤمن يعيش همَّ الدعوة والإصلاح في مجتمعه ويشعر بعِظَمِ المسؤولية الربانية الملقاة على عاتقه تجاه دينه وأمَّته ، فهي تدْعوه إلى عرض سيرته أولاً على كتاب الله ، ثم بعد ذلك يقدم على وعظ الناس بقدر ما يحمل وما يتمثل ويطبق من القيم والصفات التي يزخر بها كتاب الله الكريم .

     يتميز المنهج التربوي الذي انتهجه صلى الله عليه وسلم بالتكامل والشمول ، فهو يتناول الإنسان بكينونته كلها ، ويتولى جوانب شخصيته جميعها ، الجسم والعقل والروح والضمير ، وكذلك الوجدان والمشاعر والعواطف ولا يهمل أي جانب منها لأنها تمتزج معاً وترتبط في كائن واحد اسمه الإنسان دون أن تنفصل عنه أو ينسلخ هو منها ، ولعل أكبر دليل على ذلك لحظة الوحي التي أشرقت لها روح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد رافقها إحساس جسدي وتفكير عقلي في آن واحد ، إذ إنه صلى الله عليه وسلم من حرصه على الحفظ وحذره من النسيان كان يردد ما يتلوه عليه جبريل عليه السلام أثناء الوحي ، فخاطبه الله تعالى بقوله { لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } القيامة 16-19 ، فضمن له مع القراءة الحفظ والجمع والبيان .

    تولى رسول الله صلى الله عليه وسلم صياغة الروح في أصحابه ، وهي طاقة في الإنسان لا حدود لها ، محجوبة عنه مع أنها أقرب ما تكون إليه ، لتصبح وسيلة اتصاله الدائم بربه سبحانه في كل وقت وكل حين ، مما يوقظ في قلبه الوازع الداخلي والشعور بمراقبة الله تعالى وخشيته ، قال صلى الله عليه وسلم يبين معنى الإحسان { أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك }رواه البخاري ، والنتيجة المؤكدة لهذه التربية هي الاستقامة في الأقوال والأفعال والنوايا ، وأيضاً رضا النفس والإخلاص في العمل ، فالله سبحانه لا يقبل من الأعمال إلاَ الخالصة له سبحانه ولو كانت صالحة ، قال صلى الله عليه وسلم { يا أيها الناس إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى }رواه البخاري . وبذلك يتربى وجدان المؤمن وضميره حتى يصير منبعاً للخير ومصدراً للعطاء .

     وأما العقل الإنساني وهو الطاقة الواعية في الإنسان والقوة المدركة للحقائق ، فقد كانت طريقته صلى الله عليه وسلم في تربيته هي تدريبه على التأمّل والتفكّر والتدبّر للوصول إلى الحق ، فهي طريقة تبدأ بالفكر وتنتهي بالعمل ، ولضمان ذلك فلا بد من طلب العلم ، قال صلى الله عليه وسلم { طلب العلم فريضة على كل مسلم } رواه ابن ماجة ، وفي مجال الإيمان رفض التقليد الأعمى واتباع الآخرين على غير بصيرة فقال صلى الله عليه وسلم { لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنَّا وإن ظلموا ظلمنا ، ولكن وطّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا } رواه الترمذي ، ومعنى وطنوا أنفسكم أي درّبوها .

     والتشريعات القرآنية التي أنزلها الله تعالى تحتاج الفهم والوعي حتى يمكن تطبيقها ، بل إن بعضها استدعى المسلمين التفكير وإعمال العقل وفهم المقاصد لمعرفة الحكم الشرعي فيها بالاجتهاد ، وقد اقتضت حكمة الله تعالى في التشريعات القابلة للتغير والتجدد أن تأتي في القرآن الكريم أو السنة النبوية بإطارها العام وحدودها الإجمالية دون تفصيل ، وتُرِكَ للعقل البشري أن يستنتج هذه التفاصيل ويبينها حتى تكون موضع التنفيذ ، فلو نظرنا إلى الفقه الإسلامي وغيره من العلوم ، لوجدنا تراثاً إنسانياً خالداً وثروة علمية هائلة دلت على نضج العقل وانطلاق الفكر عند المسلمين ، وأسهمت في تقدم المعارف الإنسانية والمناهج العلمية .

     أما جسم الإنسان وجوارحه ودوافعه ، فقد رباها صلى الله عليه وسلم لتوصله إلى غاية عظمى ، وإلاَّ فهي شيئٌ ليس له قيمة ما دامت لا تؤدي وظيفتها التي خلقت من أجلها .

     فحرصاً على حفظ الجسم وتوفير طاقاته التي تحقق أهداف الحياة قال صلى الله عليه وسلم { إن لجسدك عليك حقاً وإن لعينك عليك حقاً فأعط كل ذي حق حقه } رواه البخاري . ومما يدل على اهتمامه بحسن المظهر أنه { لما رأى صلى الله عليه وسلم يوماً رجلاً شعثاً قد تفرق شعره فقال : أما كان يجد هذا ما يسكن به شعره ، ورأى رجلاً آخر وعليه ثياب وسخة فقال : أما كان هذا يجد ماء يغسل به ثوبه } رواه أبو داود .

     وتقوية للجسم بالرياضة قال صلى الله عليه وسلم { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ الأنفال60 ، ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي } رواه مسلم ، وقالت عائشة رضي الله عنها { خرجتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فقال للناس تقدموا فتقدموا ، ثم قال لي تعالَيْ حتى أسابقك فسابقتُه فسبقتُه فسكت عني ، حتى إذا خرجتُ معه في بعض أسفاره فقال للناس تقدموا فتقدموا ، ثم قال تعالَيْ حتى أسابقك فسابقتُه فسبقني ، فجعل يضحك وهو يقول هذه بتلك } رواه أحمد .

     وحرصاً على سلامة هذا الجسد حث صلى الله عليه وسلم على الاعتدال في الأكل والشرب فقال { ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه ، فإن غلبت الآدمي نفسه فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنَّفَس } رواه أحمد ، وحث صلى الله عليه وسلم على الوقاية من الأمراض والتداوي منها ، فقد { قيل له يا رسول الله ألا نتداوى ؟ قال نعم يا عباد الله : تداوَوْا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داء واحداً ، قالوا يا رسول الله وما هو ؟ قال الهرم } رواه الترمذي .

     وفي الاستجابة لدوافع الفطرة اعتبر تلبية الاحتياجات الغريزية بالحلال والطريقة المشروعة عمل خيرٍ يستحق الثواب من الله ، قال صلى الله عليه وسلم { قد جعل الله لكم ما تصَّدّقون ، إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة … وفي بُضْعِ أحدكم صدقة ، قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجراً } رواه مسلم .

     وهكذا كانت التربية النبوية الممنهجة للإنسان شاملة متوازنة متكاملة ، فأثمرت إنساناً متوازناً بضمير حي ووجدان متيقظ ووازع داخليّ وسلوك سويّ ، بعيداً عن أمراض النفس أو القلب ، فنشأ المجتمع المسلم المتوازن الذي ساد أبناؤه الدنيا فملأها عدلاً وسلاماً وتسامحاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً ، قال تعالى { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيم } التوبة 128 .

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان