العيد في زمن الكورونا
أ. د. ليلى محمد بلخير (عضو الاتحاد)
أمجاد رمضان لا تزول بل يبق ذكرها مثل المسك يعطر القلب والمكان ، أصداء تتحدى صوارف الزمان ، غزوة بدر و فتح مكة ، وما بينهما من سنوات و دلالات ، منابر وصفحات ، هزائم و بطولات ، معارك وساحات ودماء وشهداء ،وأسماء خالدة، ،و رموز وأعلام ،كفار ومؤمنين ومنافقين ، ومواقف وصور وعبر ، أمجاد و تضحيات . ليكون رمضان انطلاقة صحيحة ، تؤسس لعمر كامل من الصبر والبذل.
حقا شهر رمضان هو موسم البذر بالنسبة للمؤمن ، ليكون بعد ذلك تعهد ما بذر بالسقيا والرعاية سائر أيامه ، وبعد ذلك يرى فتح الله عليه ونصره المؤزر.
أتعجب من الذي لا بذرة له ولا فكرة ويستعجل وقت قطف الثمرة؟ بالتالي علينا بالحرص على التأسيس لمشاريعنا في شهر رمضان، حتى ننال من بركته بعد ذلك في الشهور الأخرى وفي كل فترات الانجاز.
وهذا هو المجد الحقيقي الذي نستشفه من الشهر الفضيل، وما فيه من ليلة هي خير من ألف شهر.
ورغم ويلات جائحة هذا الزمن ، لا بد من نهوض الأسرة بدورها الريادي في حسن تمثل القيم الأصيلة ، وحسن الاستفادة من القصص والأخبار وسيرة رسولنا صلى الله عليه وسلم وربطها بتربية الناشئة والشباب على فكرة صحيحة ومؤثرة حتى يكون الفتح المبين في الدنيا والدين.
وبعد رمضان نستبشر بلقيا العيد، وليس كأي عيد ، ومهما كان العيد ، في قلب الموقن ، أمل سعيد.
العيد في زمن الكورونا ، اختبار حقيقي للمؤمن ، هل يلتزم بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، يصيب عيدا في بيته ، وقاية لنفسه وغيره ، هذا العيد اختبار حقيقي في الصبر في ظل الحجر الصحي ورغم ذلك نحاول أن نستحضر معانيه العميقة ،هو عيد عبادة ، هو فرحة الصائم بصومه ، وتزداد فرحته بالإحسان لمن هم أقل منه حظا في هذه الدنيا ، وبهذا السلوك التبادلي التشاركي تستبشر الأرواح وتعم السكينة والصفاء ، لقد جاء العيد هذا العيد ليس كأي عيد ،وفيه حكم وعظات لمن كان له قلب ، هناك من لا يعرف لصلة الرحم مضمونا غير المن والأذى والتفاخر بالمظاهر،هناك من ظل عازفا عن زيارة أقرب الناس إليه ويرسل التهاني الالكترونية والعزاء الالكتروني ولا يكلف نفسه سير بضعة أقدام لزيارة مريض ، جاء العيد هذا العام مختلفا حتى يخفف من غلظة النفاق الاجتماعي، والتكلف والمبالغة في الترف والبطر، وعبادة المادة والمصلحة ، ونسيان الآخرة ،جعل الإنسان المعاصر في عزلة بسبب هيمنة التواصل الافتراضي، حتى كان العيد هذه المرة ليس كأي عيد كان ، من أجل أن نستعيد المضمون الحقيقي لهذا الدين، فهو دين رحمة وتراحم وانسجام بين الروح والمادة ، من لدن حكيم خبير، و لهذا جاء ألم الفقد والحرمان كعلاج رباني ، و ناجع لهشاشة العلاقات الأسرية والاجتماعية ، في ظل فرض التباعد الاجتماعي مع أجواء العيد وهي أكبر صدمة عرفها الإنسان في زمن كورونا، ومهما طالت المحنة واستبدت الظلمات ، ستزهر الأيام وتشرق الحياة ، وكن في العيد جديدا ، اغسل القلب وهيا وسارع لغنيمة الرحمن ، وبحول الله ، بعد طول العسر ، يأتي اليسر والرضوان.
-150x150.jpg)