من فقه الصيام "القيم السامية من الفتح الأعظم"
الشيخ الدكتور عكرمة سعيد صبري – القدس
(الحلقة الثانية والأخيرة)
إن فتح مكة الأعظم يمثل مدرسة عريضة شاملة، فمهما غصنا في أحداثه لم نوفيه حقه، وأتناول في هذه العجالة شيئاً من قيمه السامية وباختصار وهي:
منع التجول: لقد حرص رسولنا الكريم الأكرم محمد -صلى الله عليه وسلم- على حفظ الدماء من أن تسفك تعظيماً لحرمة الكعبة وتجنباً للاحتكاك بين الجيش وأهل مكة فقد فرض خطة يمنع التجول في مكة وكلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبا سفيان ليعلن لأهل مكة عن منع التجول بقوله: "من دخل بيته فهو آمن، ومن دخل الكعبة فهو آمن، ومن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن". فالإسلام هو أول من شرع فكرة منع التجول حين الطوارئ لفترة مؤقتة وذلك لإعطاء الناس الأمن الأمان، وليس لفرض العقوبات الجماعية على الناس. فاستجاب الناس لذلك حينما سمعوا أبا سفيان.
التواضع: عندما دخل -عليه الصلاة والسلام- مكة فاتحاً منتصراً بجيشه المهيب لم يغفل عن خلق رفيع هو خلق التواضع لله العلي القدير -الذي ينساه ويغفل عنه الكثير من القادة حين الانتصار- فقد دخل -عليه الصلاة والسلام- مكة وهو منحنٍ على راحلته وخافض رأسه حتى إن لحيته وجبهته تكادان تمسان ظهر الرحل تواضعاً لله -عزوجل- وشكراً له على هذه النعمة الكبيرة: نعمة الانتصار. وكان -عليه الصلاة والسلام- يردد حينها آيات كريمة من سورة الفتح.
العفو العام: لقد تتجلى سماحة الإسلام العظيم حينما قال رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم- لأهل مكة: "يا معشر قريش، ما تدرون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوانه: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء". فلم ينتقم -عليه الصلاة والسلام- من أولئك الذين عادوه ووقفوا في وجه الدعوة الإسلامية مدة تزيد عن عشرين سنة، ولم ينتقم لنفسه، فضرب بذلك أروع الأمثلة في العفو عند المقدرة، وفي التسامح والمحبة، ونبذ الأحقاد والخصومات والعداوات.
الأمانة: لم يغفل النبي الكريم الأكرم محمد -عليه الصلاة والسلام- عن خلق الأمانة فإنه بعد أن قام -عليه الصلاة والسلام- بنفسه بفتح الكعبة أعاد مفاتيح الكعبة لعثمان بن طلحة من بني شيبة القرشية قال -عليه الصلاة والسلام- له: "خذها خالدة مخلدة لا ينزعها منكم الا ظالم"، والمعلوم ان مفاتيح الكعبة هي في حوزة بني شيبة منذ زمن الجاهلية فأقر الإسلام استمرارية هذا الشرف في قبيلة بني شيبة الذين تشرفوا بحمل مفاتيح أقدس بيت من بيوت لله.
مبدأ المساواة: لقد رسخّ الإسلام العظيم مبدأ المساواة بين بني البشر بكافة شرائحهم، وتجلى ذلك حين أمر -عليه الصلاة والسلام- بلال بن رباح بالصعود على ظهر الكعبة المشرفة ليرفع "الأذان" بصوته النديّ، وليكون نداء التوحيد يصدح من بلال الحبشي -رضي الله عنه- الذي كان يعذب في مكة في بداية الدعوة الإسلامية!! وتم تكسير الأصنام والأوثان وازالتها نهائياً حول الكعبة وبهذا فإن بلالاً يكون أول من أذن في الكعبة حين فتح مكة سنة 8 هـ/629م، كما أن بلالاً هو أول من أذن في المسجد الأقصى المبارك حين فتح بيت المقدس سنة 15هـ/636م، فيكون بلالٌ قد نال وحاز شرفين اثنين رضي الله عنه.
حماية المسلمين المستضعفين: ثمة هناك حكمة ربانية في دخول المسلمين لمكة المكرمة سلماً دون قتال، وهذه الحكمة تتمثل بحفظ دماء المسلمين المستضعفين الذين اسلموا سراً في مكة، فلو حصل قتال بين المسلمين الفاتحين وأهل مكة لتعرّض المسلمون -الذين أسلموا سراً- الى القتل دون علم المسلمين الفاتحين القادمين من المدينة المنورة، وقد أشار القرآن الكريم الى ذلك بقوله سبحانه وتعالى: " وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ" سورة الفتح- الآية25. ونحن اذ نتفاءَل خيراً في أن يكون وضع أهل فلسطين في هذه الأيام مشابهاً لوضع المسلمين الذين أسلموا سراً في مكة.
وختاماً فإن هذا الفتح يُعد من أعظم فتوحات وانتصارات المسلمين عبر التاريخ، وأنه يمثل بشارة عظمى لانتصار التوحيد، وزوال الكفر والشرك في شبه الجزيرة العربية " وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا" سورة الاسراء-الآية81. والحمد لله رب العالمين.
-150x150.jpg)