نقد النظرية السامية عند ابن خلدون
فرج كُندي
أُطلقت تسمية سامية وحامية على المجموعات البشرية التي توزع انتشارها في مناطق شبه جزيرة العرب وبلاد الرافدين والشام ومناطق شمال وشرق وغرب أفريقيا , وهي ما يطلق عليها بالمجموعات السامية, بينما اطلق على غيرها من المجموعات الاخرى اسم الحامية .
وقد استند اصحاب هذه النظرية في تسميتهم لهذه المجموعات على ما جاء في نصوص وردت في كتاب التوراة تقول أن هذه الشعوب تعود في أصلها إلى نسل ابني نوح عليه السلام سام وحام ( 1 ) في اشارة من كتبة التوراة على فناء البشرية بعد الطوفان العظيم الذي اجتاح الارض ولم ينج سوى نوح وبنيه " حام وسام ويافت " , و في هذا مغالطة كبيرة لأن الناجين في السفينة لم يقتصر على نوح وبنيه؛ بل نجا معهم من كان بصحبتهم على ظهر سفينة النجاة, ولا يمكن حصر سلالة البشرية في ابناء نوح الثلاثة وفي نسلهم بل لابد وأن يكون لباقي الناجين نسل ربما يكون اكثر من نسل سلالة أبناء نوح عليه السلام.
وهو ما اشار اليه القرآن الكريم بل اكده بخبره عن نجاة اهل السفينة؛ هذا لو سلمنا بعالمية الطوفان ؟! ولم يكون قد عم اجزاء محدودة من الأرض فقط .
فقد جاء الخبر القرآني الصريح يقول أن الذين ركبوا السفينة مع نبي الله نوح عليه السلام ليس أبناءه الثلاثة الذين نص عليهم كتبة التوراة؛ بل كان في صحبتهم عدد من الذين امنو وهذه اشارة إلى انهم مجموعة من الرجال والنساء وفيه دلالة على استمرار الحياة بعد الطوفان لمجموعات من الناس وليس قاصراً على نوح وبنيه.
وجاء نص القرآن الكريم على قلتهم في قوله تعال { حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا أحمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما امن معه إلا قليل } سورة هود, الآية 40 وفي سياق آخر نص القرآن الكريم على عدد من كان مع نوح على ظهر السفينة بأنهم امم بصيغة الجمع وهو دليل على الكثرة في العدد في حين القلة في الآية السابقة تأتي مقارنة بعدد من كفر ولم يؤمن بنوح فكانوا من المغرقين وامم اخري سيمتعهم الله ثم يمسهم منه العذاب الاليم { قيل ينوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى امم ممن معك و أمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم } سورة هود الآية 48 وبناء على ما ورد من آيات بينات فإن الذين ركبوا السفينة, و نجوا من الطوفان ليس نوحا و أهله فقط , بل أيضاً المؤمنون الصادقون, ولذلك لا يمكن أن يُنسب الجنس البشري فقط إلى ساميين وحاميين وآريين نسبة لأبناء نوح الثلاثة سام وحام ويافث ).
وهو ما أكده العلامة ابن خلدون ونبه له في مقدمته الشهيرة فصرح برده على من سبقه من النسابة والمؤرخون ( ولما رأى النسابون اختلاف هذه الامم بسماتها ( وشعائرها ) حسبوا ذلك لأجل الأنساب؛ فجعلوا أهل الجنوب كلهم السودان من ولد " حام " وارتابوا في الوانهم فتكلفوا نقل تلك الحكاية الواهية, وجعلوا أهل الشمال كلهم أو أكثرهم من ولد " يافث " , وأكثر الأمم المعتدلة وهم من أهل الوسط المنتحلون للعلوم والصنائع, والملل والشرائع والساسة من ولد ( سام ) .
وهذا الزعم وإن صادف الحق في انتساب هؤلاء فليس بقياس مطرد , إنما هو إخبار عن الواقع؛ لا أن تسمية أهل الجنوب بالسودان والحبشان من أجل انتسابهم إلى حام الاسود. وما أداهم إلى هذا الغلط إلا اعتقادهم أن التمييز بين الامم إنما يقع بالأنساب فقط وليس كذلك : فإن التمييز للجيل أو الامة يكون بالنسب في بعظهم ؛ كما للعرب وبني إسرائيل والفرس, ويكون بالجهة والسمة ؛ كما للزنج ( والحبشان ) والصقالبة والسودان ويكون بالعوائد ( والشعائر ) والنسب كما للعرب , ويكون بغير ذلك من أحوال الأمم وخواصهم ومميزاتهم .
فتعميم القول في أهل جهة معينة من جنوب أو شمال بأنهم من ولد فلان المعروف بما شملهم من نحلة أو لون أو سمة وجدت لذلك الأب, إنما هو من الأغاليط التي أوقع فيها الغفلة عن طبائع الأكوان والجهات, وأن هذه كلها تتبدل في الأعقاب, ولا يجب استمرارها , سنة الله في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا)1.
وهذا النقد المبكر من ابن خلدون لفكرة السامية القائم على فلسفته النقدية في دراسة التاريخ القائمة على النظر والتحليل والمقارنة وعدم التسليم لكل ما ينقله النسابة واصحاب التواريخ؛ تلك الفلسفة التي هو صاحبها ومنظرها الاول بلا منازع التي تأثر بها واخذها علماء التاريخ في العصور المتأخرة كان من نتائجها ما استنبطه هؤلاء العلماء من حقائق حول ما عُرف بينهم " بالسامية " وما يحيط حولها من فرضيات .
استنبط العلماء المحدثون أن الطوفان لم يكن طوفانا عاما شمل الارض جميعا, كما يؤخذ من نصوص كتبه العهد القديم بل كان الطوفان محدودا مقصورا على مناطق بعينها محدودة كان يعرفها الكتاب العبرانيون الدين دونوا التوراة بعد حدوث الطوفان باكثر من الف سنة ونقلها عنهم النسابة والاخباريون .
ومن هذه الرواية وضع المستشرقون خاصة منهم الالمان مع بدايات القرن الثامن عشر تسمية الامم السامية على الشعوب ذات التشابه في الصفات المشتركة واللغات المتقاربة , وكان رائد هذه التسمية هو المستشرق الألماني " شلوزر " الذي اطلقها سنة ( 1781م ) وكان يستدل على اطلاق هذه التسمية أن معظم الشعوب والأمم التي تتكلم هذه اللغات تنتمي إلى أولاد سام بن نوح .
وبالرغم من خطاء هذه التسمية وبعد هذه النظرية عن الصواب إلا انها مازالت تطلق على هذه الامم و المجموعات البشرية وأصبحت معتمدة وشائعة بين الباحثين وفي كتاباتهم وغير قابلة للنقد ويستحيل على أي باحث ألا الاخذ بها سواء كان موافق عليها أو غير موافق لا نها اصبحت نظرية ثابتة ومسلمة لا يمكن إلا الأخذ عنها والتسليم بها )2 ليس لاعتبارات علمية بحتة بقد ما هي شعار تم استخدمه وتوظيفه سياسا ولعل اخر واشهر العلماء الكبار الذين تعرضوا لهجوم كبير تحت شعار ( معاداة السامية ) المفكر الفرنسي المسلم حين تعرض بالنقد لفكرة محرقة – الهولوكوست – فتعرض لهجوم شديد من قبل اللوبي الصهيوني في فرنسا وتم تقديمه للمحاكة وتم سجنه .
ورحم الله العلامة ابن خلدون الذي سبق الكل بنقد هذه الفرضية اليهودية نقدا علميا لا يروق لأصحاب مشروع التطبيع مع العدو الصهيوني وربما لوكان بيننا لدفع الثمن لا يكون سجنا, بل تصفية جسدية ومعنوية معاً.
______________________-
1- مقدمة ابن خلدون, عبدالرحمن ابن خلدون, تحقيق حامد احمد الطاهر, دار الفجر للتراث, القاهرة, ط2, 2013م, ص 117
2- الجذور التاريخية لسكان المغرب القديم, محمد علي عيسى, المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية , ط2, طرابلس, 2012م, ص 213
-150x150.jpg)