تركت معركة النهروان (تحطمت في معركة النهروان قوة الخوارج على أيدي جيش المسلمين في عهد أمير المؤمين علي بن أبي طالب) في نفوس الخوارج جرحًا غائرًا لم تزده الأيام إلا إيلاماً وحسرة وحقدًا. فاتفق نفر منهم على أن يغتالوا الإمام علي رضي الله عنه، ويثأروا لمن قتل من إخوانهم في النهروان. وأجمع الرواة والمؤرخون على ذكر رواية مشهورة لا تسلم من انتقادات لاحتوائها على عناصر متضاربة، وأخرى مختلفة، ولا نستبعد بدورنا أن تكون هذه الحادثة المهمة قد تعرضت مثل غيرها إلى تشويهات وتزوير في الفترات المتأخرة. ويبدو من خلال المصادر والدراسات: أن هناك إجماعاً على أنّ عملية قتل أمير المؤمنين علي تمت على أيدي عناصر خارجيّة انتقامًا لضحايا معركة النهروان، أما بقية المعلومات الخاصة بالعملية مثل قصة الحب بين عبدالرحمن بن ملجم وقطام، والدّور المزعوم للأشعث الكندي، فيصعب قبولها والتصديق بها. فكيف قُتل أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه؟
- اجتماع المتآمرين
كان من حديث عبدالرحمن بن مُلجَم وأصحابه: أن ابن ملجم والبُرَك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمي اجتمعوا، فتذاكروا أمر الناس، وعابوا على ولاتهم، ثم ذكروا أهل النهر، فترحَّموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئاً، إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم، والذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد، وثأرنا بهم لإخواننا، فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم علي بن أبي طالب ـ وكان من أهل مصر ـ وقال البُرَك بن عبد الله: أنا أكفيكم معاوية، وقال عمرو بن بكر: أنا أكفيكم عمرو بن العاص . فتعاهدوا وتواثقوا بالله: لا ينكص رجل منا عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه، فأخذوا أسيافهم، فسموها واتعدوا لسبع عشرة تخلو من رمضان أن يثب كل واحد منهم على صاحبه الذي توجه إليه، وأقبل كل رجل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه الذي يطلب.
- خروج عبدالرحمن بن ملجم ولقاؤه بقطام ابنة الشجّنة
بالنسبة لعبد الرحمن بن ملجم المرادي فكان عداده في كِنْدة، فخرج فلقي أصحابه بالكوفة وكاتمهم أمره كراهة أن يظهروا شيئاً من أمره، فإنه رأى ذات يوم أصحاباً من تَيْم الرِّباب ـ وكان علي قتل منهم يوم النهر عشرة ـ فذكروا قتلاهم، ولقي من يومه ذلك امرأة من تيم الرباب يقال لها: «قَطَام ابنة الشِّجنة ـ وقد قتل أباها وأخاها يوم النهر، وكانت فائقة الجمال ـ فلما راها التبست بعقله، ونسي حاجته التي جاء لها، ثم خطبها، فقالت: لا أتزوجك حتى تشفي لي، قال: وما يشفيك؟ قالت: ثلاثة الآف وعبد وقينة. وقتل علي بن أبي طالب، قال: هو مهر لك. فأما قتل علي فلا أراك ذكرته لي وأنت تريديني، قالت: بلى التمس غرته، فإن أصبت شفيت نفسك ونفسي، ويهنئك العيش معي، وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا وزينة أهلها.
وأتى ابن ملجم رجلاً من أشجع يقال له شبيب بن بجرة، فقال له: هل لك في شرف الدنيا والاخرة؟ قال: وما ذاك؟ قال: قتل علي بن أبي طالب، قال: ثكلتك أمك، لقد جئت شيئاً إدّاً، كيف تقدر على علي؟! قال: أكمن له في المسجد ؛ فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها، قال: ويحك لو كان غير علي لكان أهون علي، قد عرفت بلاءه في الإسلام، وسابقته مع النبي (ص)، وما أجدني أنشرح لقتله. قال: أما تعلم أنه قتل أهل النهر العباد الصالحين؟ قال: بلى، قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا، فأجابه.
فجاؤوا قطام وهي في المسجد الأعظم معتكفة ـ فقالوا لها: قد أجمع رأينا على قتل علي، قالت: فإذا أردتم فأتوني، ثم عاد إليها ابن ملجم في ليلة الجمعة التي قتل في صبيحتها علي سنة 40 هـ فقال: هذه الليلة التي وعدت فيها صاحبي أن يقتل كل منا صاحبه، فدعت لهم بالحرير فعصبتهم به، وأخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فلما خرج ضربه شبيب بالسيف، فوقع سيفه بعضادة الباب أو الطاق، وضربه ابن ملجم في قرنه بالسيف، وهرب وردان حتى دخل منزله، فدخل عليه رجل من بني أبيه وهو ينزع الحرير عن صدره، فقال: ما هذا الحرير والسيف؟ فأخبره بما كان وانصرف، فجاء بسيفه فعلا به وردان حتى قتله، وخرج شبيب نحو أبواب كندة في الغلس، وصاح الناس، فلحقه رجل من حضرموت يقال له: عويمر، وفي يد شبيب السيف، فأخذه، وجثم عليه الحضرمي، فلما رأى الناس قد أقبلوا في طلبه، وسيف شبيب في يده، خشي على نفسه، فتركه، ونجا شبيب في غمار الناس، فشدوا على ابن ملجم، فأخذوه، إلا أن رجلاً من هَمْدان يكنى أبا أدماء أخذ سيفه فضرب به رجله، فصرعه.
وتأخر علي، ورفع في ظهره جعدة بن هبيرة بن أبي وهب، فصلى بالناس الغداة، قال علي: عليّ بالرجل، فأدخل عليه، ثم قال: أي عدو الله، ألم أحسن إليك، قال: بلى، قال: ما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحاً، وسألت الله أن يقتل به شر خلقه، فقال علي رضي الله عنه. لا أراك إلا مقتولاً به، ولا أراك إلا من شر خلقه.
- رواية محمد بن الحنفية عن استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
قال ابن الحنفية: كنت والله إني لأصلي تلك الليلة التي ضرب فيها علي في المسجد الأعظم في رجال كثير من أهل المصر، يصلون قريباً من السدَّة، ما هم إلا قيام وركوع وسجود، وما يسأمون من أول الليل إلى اخره، إذ خرج علي لصلاة الغداة، فجعل ينادي: أيها الناس، الصلاة الصلاة، فما أدري أخرج من السدة فتكلم بهذه الكلمات أم لا، فنظرت إلى بريق، وسمعت: الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك، فرأيت سيفاً، ثم رأيت ثانياً، ثم سمعت علياً يقول: لا يفوتنكم الرجل، وشد الناس عليه من كل جانب. قال: فلم أبرح حتى أخذ ابن ملجم وأدخل على علي، فدخلت فيمن دخل من الناس، فسمعت علياً يقول: النفس بالنفس، أنا إن مت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي. وذكر أن الناس دخلوا على الحسن فزعين لما حدث من أمر علي، فبينما هم عنده وابن ملجم مكتوف بين يديه، إذ نادته أم كلثوم بنت علي وهي تبكي: أي عدو الله، لا بأس على أبي، والله مخزيك، قال: فعلى من تبكين؟ والله لقد اشتريته بألف، وسمَمْته بألف، ولو كانت هذه الضربة على جميع أهل المصر ما بقي منهم أحد.
4 ـ وصية طبيب الخلافة للإمام علي بن أبي طالب
عن عبد الله بن مالك، قال: جُمع الأطباء لعلي رضي الله عنه يوم جُرِح، وكان أبصرهم بالطب أُثير بن عمرو السَّكُوني، وكان صاحب كسرى يتطبَّب، فأخذ أثير رئة شاة حارة، فتتبَّع عِرْقًأ منها، فاستخرجه فأدخله في جراحة علي، ثم نفخ العرق فاستخرجه فإذا عليه بياض الدماغ، وإذا الضربة قد وصلت إلى أمّ رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين، اعهد عهدك فإنك ميت.
5 ـ وصية أمير المؤمنين علي لأولاده الحسن والحسين رضي الله عنهما
دعا أمير المؤمنين علي أولاده الحسن والحسين، فقال: أوصيكما بتقوى الله، وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تبكيا على شيء زُوِي عنكما، وقولا الحق، وارحما اليتيم، وأغيثا الملهوف، واصنعا للاخرة، وكونا للظالم خصماً، وللمظلوم ناصراً، واعملا بما في الكتاب ولا تأخذكما في الله لومة لائم. ثم نظر إلى محمد ابن الحنفية، فقال: هل حفظت ما أوصيت به أخويك؟ قال: نعم، قال: فإني أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك، لعظيم حقهما عليك، فاتبع أمرهما، ولا تقطع أمراً دونهما. ثم قال: أوصيكما به، فإنه ابن أبيكما، وقد علمتما أن أباكما كان يحبه . وقال للحسن: أوصيك أي بُنيَّ بتقوى الله، وإقام الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة عند محلها، وحسن الوضوء، فإنه لا صلاة إلا بطهور، ولا تقبل صلاة من مانع زكاة، وأوصيك بغَفْر الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، والحلم عند الجهل، والتفقه في الدين، والتثبت في الأمر، والتعهد للقران، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش.
وجاء في شأن وصية أمير المؤمنين بأمر قاتله روايات كثيرة تتفاوت؛ منها الصحيح ومنها الضعيف، فالرواية التي فيها أمر علي رضي الله عنه بإحراق الشقي بعد قتله إسنادها ضعيف، والروايات الأخرى تسير في اتجاه واحد؛ فكلها فيها أمر علي رضي الله عنه بقتل الرجل إن مات من ضربته، ونهاهم عما سوى ذلك، فهذه الروايات يعضد بعضها بعضاً، وتنهض للاحتجاج بها، هذا من جهة.
ثم لم ينطق إلا (بلا إله إلا الله) حتى قبض رضي الله عنه في شهر رمضان سنة أربعين هجرية. وجاء في رواية: أنه قتل في صبيحة إحدى وعشرين من رمضان، وتحمل هذه الروايـة على اليـوم الذي فارق فيـه الدنيا، لأنه بقي ثلاثـة أيام بعد أن ضربـه الشقي.
وتجمع روايات تاريخية على أنه عندما قبض علي رضي الله عنه، بعث الحسن إلى ابن ملجم، فقال للحسن : هل لك في خصلة؟ إني والله ما أعطيت الله عهدًا إلا وفيت به، إني كنت قد أعطيت الله عهدًا عند الحطيم: أن أقتل عليًا ومعاوية أو أموت دونهما، فإن شئت خليت بيني وبينه، ولك الله علي إن لم أقتله ـ أو قتلته ثم بقيت ـ أن اتيك حتى أضع يدي في يدك. فقال له الحسن: أما والله حتى تعاين النار، ثم قدمه فقتله.
6. نهاية عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على أيدي الخوارج
كانت مدة خلافته على قول خليفة بن خياط : أربع سنين وتسعة أشهر وستة أيام، ويقال: ثلاثة أيام، ويقال: أربعة عشر يوماً، والذي يظهر أنها أربعة سنين وتسعة أشهر وثلاثة أيام، وذلك لأنه بويع بالخلافة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عام خمس وثلاثين، وكانت وفاته شهيداً في اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان عام أربعين للهجرة.
وقد تولى غسل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر رضوان الله عليهم، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وصلى عليه الحسن بن علي رضي الله عنهما، فكبر عليه أربع تكبيرات، وفي رواية دون إسناد: كبر عليه تسع تكبيرات.
وأما موضع قبره، فقد اختلف فيه، وذكر ابن الجوزي عدداً من الروايات في ذلك، ثم قال: والله أعلم أي الأقوال أصح.
فرواية تقول بأن الحسن بن علي رضي الله عنهما دفنه عند مسجد الجماعة في الرحبة مما يلي أبواب كندة قبل أن ينصرف الناس من صلاة الفجر. ورواية أخرى ترى بأنه دفن بالكوفة عند قصر الإمارة عند المسجد الجامع ليلاً، وعمي موضع قبره. وأخرى تذكر أن ابنه الحسن رضي الله عنه نقله إلى المدينة. وفي الحقيقة إن ابتداع ما يسمى مشهد علي رضي الله عنه بالنجف؛ كان أيام بني بويه في عهد الدولة العباسية، وكانوا من الشيعة الروافض، وقد صنع الشيعة ذلك على عاداتهم ـ في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي. رحم الله أمير المؤمنين علي فقاتلوه خوارج، وهؤلاء لا زالوا ينكلون ويقتلون أبناء الأمة وأحفاد علي، ويساندون أعداء الأمة بغلوهم وتطرفهم وجورهم وظلمهم وبغيهم وطغيانهم.
-150x150.jpg)