الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا
محمد ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين …..وبعد،
فإن
المسلمين اليوم – داخل العالم الإسلامي وخارجه – يمرون بمرحلة دقيقة وخطيرة
، ويعانون من الضعف والداخلي ، والتفرق ، والتمزق ، ومن الأفكار المتطرفة
يميناً ، أو يساراً ، إفراطاً وغلواً وتشدداً ، أو تفريطاً وتقصيراً
وانصهاراً ، وما ترتب على هذا الانحراف من جادة الوسط من سلوكيات شائنة ،
وأنشطة وجرائم خطيرة ، حيث بدأت الانحرافات في الجانب الإفراطي بالتبديع
والتكفير ، وانتهى باستحلال الدماء والأعراض والتفجير.
ومما يجب
التأكيد عليه أن أصحاب هذه الأفكار المنحرفة ليسوا أكثرية ، وإنما هم قلّة
قليلة ، ولكن صوتهم عال ومرتفع بسبب الأحداث والتفجيرات التي لها دور في
العالم ، وتضخيمها كذلك من الإعلام الذي لا يعلم حقيقة الإسلام ، أو يريد
النيل منه لأي سبب كان.
وكذلك فإن الإرهاب لا دين له ، فلا يجوز تحميله
على الإسلام ، كما لا يجوز تحميل الإرهاب الذي يقوم به بعض أصحاب الأديان
على تلك الأديان أنفسها.
وإذا كنا نتحدث عن الإفراط والتفريط والتشدد
في الشرق الإسلامي ، فإنه وجدت في الغرب مجموعة من الأعمال المتمثلة في
الرسوم المسيئة والأفلام والمسرحيات والمقالات التي نالت من مقام الرسول
الكريم صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين ، مما أدى إلى رد فعل
دائر بين بين الالتزام بالمظاهرات والاعتصامات السلمية ، وبين العنف
والدعوة إلى مقاطعة المنتجات ونحوها ، وانتهى مع الأسف الشديد إلى
التفجيرات ، والقتل في فرنسا .
وأمام هذا الوضع ، أو النازلة الجديدة
يحتاج المسلمون وبخاصة الأقلية الإسلامية في أوروبا وغيرها ، إلى الحكم
الشرعي ، وموقف الإسلام الصحيح من نوعية الرد ، وكيفية التعامل والعلاج.
وقد كلفني المجلس الأوروبي للافتاء والبحوث بكتابة بحث حول هذا الموضوع ،
مؤصل شرعياً ، وموصل بالواقع ، ومرتبط بالمقاصد والمآلات ، وقد استجبت لذلك
بعد تردد كثير لخطورة الموضوع ودقته ، وعلاقته بمقام حضرة الرسول صلى الله
عليه وسلم ، ولكن الذي شجعني على البحث هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم
قد وجهت إليه مباشرة الاساءات المتمثلة بالاستهزاء والسخرية والكلمات
السيئة والبذيئة ، بل والايذاء المادي والمعنوي ، من الجاهليين المشركين في
مكة المكرمة ، ومن المنافقين في المدينة المنورة ، ومع ذلك صبر صبراً
جميلاً وهجرهم هجراً جميلاً وصفح عنهم صفحاً جميلاً ، وأعرض عنهم فكفاه
الله المستهزئين.
وسأتناول – بتوفيق الله تعالى – هذا الموضوع ، من خلال مبحث تمهيدي يتضمن بإيجاز ما يأتي :
1- المبادئ والقواعد العامة والأحكام المتعلقة بالأقليات الإسلامية .
2- المبادئ والقواعد العامة المستنبطة من قصة سيدنا يوسف عليه السلام ،
حيث يعتبر قدوة للأقليات ، ومن المهاجرين في حبشة في عصر الرسول صلى الله
عليه وسلم .
3- فقه المواطنة باعتباره مدخلاً للتعايش ومنطلقاً للاندماج الايجابي .
وأما في المبحث الثاني فسنتحدث فيه عن فقه التعامل مع الآخر عند الاساءة
إلى المقدسات الإسلامية حيث نبين المبادئ العامة الحاكمة فيه ، حق الإنسان
في حرية التعبير ، موضحاً أسباب الاندفاع البعض نحو الاساءة ، ثم بيان
الموقف الشرعي (التأصيل الشرعي) بالنسبة للمسلم الذي يعيش في البلاد غير
الإسلامية ، والواجب الشرعي للأقلية المسلمة نحو الاساءات الموجهة للمقدسات
، وواجب الدول والعالم الإسلامي نحوها ، وضرورة وجود خطة استراتيجية هادئة
وهادفة لمنع الازدراء بالأديان .
والله أسأل أن يكتب لي التوفيق فيما
أصبو إليه ، مستغيثاً به تعالى أن يحقق لنا من الأهداف والغايات المرجوة من
هذا البحث والمؤتمر ، ومتضرعاً إليه أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ،
إنه مولاي فنعم المولى ونعم النصير .
كتبه الفقير إلى الله
علي بن محيى الدين القره داغي
-150x150.jpg)