السلف الصالح والإنفاق في سبيل الله في رمضان
د. محمود عبد العزيز
عرف السلف كل هذا الفضل للتصدق والإنفاق في سبيل الله فأقبلوا عليه بنفس راضية، بل وتسابقوا فيه وتنافسوا، وكان أحدهم يرى نفسه أحوج إلى ثواب الصدقة من حاجة الفقير المسكين إليها ،
قال الشعبي: " من لم ير نفسه إلى ثواب الصدقة أحوج من الفقير إلى صدقته فقد أبطل صدقته وضرب بها وجهه ".
وكان ذلكم التسابق وهذا التنافس بينهم يزداد بحلول شهر رمضان اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان أكرم من الرياح المرسلة ،
يقول يونس بن يزيد وهو يصف حال ابن شهاب الزهري المحدث الشهير : " كان ابن شهاب إذا دخل رمضان فإنما هو تلاوة القرآن ، وإطعام الطعام ..
وهذا حماد بن أبي سليمان يُروى أنه كان يضيف في شهر رمضان خمسين رجلا كل ليلة ، فإذا كانت ليلة العيد كساهم ، وأعطى كل رجل منهم مائة درهم..
وكان إطعام الفقراء والجود عليهم سمة مألوفة عند الموسرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذا واثلة بن الأسقع رضي الله عنه يقول : حضر رمضان ونحن في أهل الصفة فصمنا ، فكنا إذا أفطرنا أتى كل رجل منا رجلا من أهل السعة فأخذه فانطلق به فعشاه..
بل إن بعضهم كان يجود بإفطاره الذي يعده لنفسه ، فهذا أحمد بن حنبل يأتي إليه سائل فيدفع إليه رغيفين كان يعدهما لفطره ، ثم يُطوي ويصبح صائماً،
كما ورد أيضا أن داوود الطائي ومالك بن دينار كانا يؤثران بفطورهما وهم صائمان..
وكان ابن عمر رضي لله عنهما يصوم ولا يفطر إلاَّ مع المساكين، فإذا منعهم أهله عنه لم يتعشَّ تلك الليلة، وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام وقام فأعطاه السائل ..
وكان الشافعي يقول: أحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثيرٍ منهم بالصَّوم والصلاة عن مكاسبهم ..
وهذا السلطان ألب أرسلان يتفقد الفقراء في كل رمضان بخمسة عشر ألف دينار ( الدينار كان متوسط وزنه 4 جرامات ذهب)
أما صلاح الدين الأيوبي فذُكر أنه أقام بالقدس قبل حطين جميع شهر رمضان في صيام وصلاة وقرآن ، وكلما وفد عليه أحد من رؤساء الفرنج للزيارة فعل معه غاية الإكرام تأليفا لقلوبهم كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ..
وهذا أحد الخلفاء العباسيين يرتب عشرين دارا للضيافة يفطر فيها الصائمون من الفقراء ، يُطبَخ لهم في كل يوم فيها طعام كثير ، ويحمل إليها من الخبز النقي والحلواء شيء كثير
وهذا المستنصر كان يقف على أمواله ويقول: أترى أعيش حتى أنفقها كلها ، فكان يبني الربط والخانات والقناطر في الطرقات من سائر الجهات ، وقد عمل بكل محلة من محال بغداد دار ضيافة للفقراء لاسيما في شهر رمضان ..
-150x150.jpg)