آخر الأخبار

عبادة الخفاء

شارك المقال على :

عبادة الخفاء

بقلم: الشيخ بشير بن حسن (عضو الاتحاد)

 

من أعظم مقامات العبودية لله عز وجل ، مقام الخفاء ، ومعناه حرص العبد على إخفاء عمله الصالح ، خاصة الذي لا يتعدى نفعه بل هو قاصر على صاحبه ، كصلاة النافلة ، والذكر ، والدعاء ، وقراءة القرآن  الكريم ، وغير ذلك مما بين العبد وربه ، فإن ذلك من أحب الأعمال إلى الله ، وانفعها لصاحبها ، في العاجل والآجل    .

 

قال تعالى عن زكريا عليه السلام (ذكر ربك عبده زكريا * إذ نادى ربه نداء خفيّا)  .

وقال سبحانه مرشدا أهل الإيمان الى كيفية سؤاله (ادعوا ربكم تضرّعا وخفية إنه لا يحب المعتدين).

وقال أيضا: (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدوّ والآصال ولا تكن من الغافلين).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب العبد التقي النقي الخفي) رواه مسلم.

ومن بين السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، (رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه من خشية الله).

والآخر (تصدّق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه)  .

وقد سأل رجلٌ حذيفة بن اليمان: هل أنا من المنافقين؟

قال: أتصلي إذا خلوت، وتستغفر إذا أذنبت؟ قال: نعم.

قال: اذهب فما جعلك الله منافقا.

{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا}(النساء: 142).

ومن يشكو من الرياء غالبا لأن عبادته في السر قليلة أو معدومة.

 قال النبي صلى الله عليه وسلم: [مَنِ استطاعَ منكم أنْ يكونَ لَهُ خَبْءٌ مِنْ عمَلٍ صالِحٍ فلْيَفْعَلْ]. (صحيح الجامع).

 

 أي عمل صالح مخبوء لا يطلع عليه أحد إلا الله .

وها هو شهر رمضان المبارك هذا العام ، في ظل جائحة كورونا ، وفرض الحجر الصحي  على الناس ، ولزوم بيوتهم ، يعتبر فرصة ذهبية لتحقيق هذا المقام ، مقام الخفاء في طاعة الله ، فذلك لا شك أحبّ إلى ربنا عز وجل ، وأعظم أجرا ، وأجلى أثرا  .

ولكن بعض الناس لا يحسن استثمار هذا الوضع ، لتقوية إخلاصه بتخفّيه حتى يذعن ويعلن عباداته على شبكات التواصل الاجتماعي ، بدعوى تشجيع غيره ، و هذا غير متوجّه ، خاصة بث صلاة القيام والتراويح ، إذ أنه وقت يصلي فيه الناس أيضا، فهم مشغولون بنفس العمل فأين الداعي لبث هذه الصلاة أو هذه الأدعية ؟؟

يقول الشافعي رحمه الله: احرص على إخفاء عملك الصالح فإن كل ما ظهر للناس كان قليل النفع في الآخرة).

وقال آخر: احرص على إخفاء حسناتك كما تحرص على إخفاء سيئاتك  !!

إنها عبادة الخفاء ، التي تشقّ على النفوس المريضة بحبّ التسميع والمراءة  ، وفي الحديث: (ومن سمّع سمّع الله به ومن رأى رأى الله به).

دخل رجل على إبراهيم النخعي رحمه الله وهو جالس في المسجد يقرأ القرآن فأخفى إبراهيم المصحف بطرف ثوبه لكي يخفي عمله !!

وخرج الإمام البخاري الى السوق يوما ، فإذا بورقة ملقاة على الأرض قد كتب عليها اسم الله ، فالتفت البخاري يمنة ويسرة لكي لا يراه أحد والتقطها  تنزيها لذكر الله ! فكان جزاؤه أن رفع الله ذكره في العالمين!!

ألا ما أحوجنا لهذا الإخلاص ولهذا الإخفاء ، في زماننا هذا الذي بات البعض منا يُشهر كل  شيء من أعماله حتى خصوصياته من طعام وشراب ونحوهما  !!

والله من وراء القصد.

 
الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان