عشرون عاماً على انتفاضة الأقصى
الشيخ د. تيسير التميمي قاضي قضاة (عضو الاتحاد)
في يوم الخميس 28/9/2000م تفجرت الانتفاضة الثانية في فلسطين عقب اقتحام المجرم شارون ومعه مجموعة من أعضاء الليكود للمسجد الأقصى المبارك ترافقهم قوات كبيرة من جيش وشرطة الاحتلال الإسرائيلي بلغ قوامها 3000 جندي مدججين بالسلاح ، وتصريحاته بأنّ الحرم القدسي سيبقى منطقة إسرائيلية ، مما أدى إلى استفزاز الفلسطينيين ودفع جموع المصلين الثائرة إلى التجمهر ومحاولة التصدي له بالأحذية وغيرها حتى أخرجوه من مسرى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فكانت هذه الجريمة شرارة الانتفاضة التي انطلقت بين الفلسطينيين ،
ففي اليوم التالي 29/9/2000م وأثناء صلاة الجمعة أطلقت قوات الجيش الرصاص الحي على المصلين مما أعاد إلى الذاكرة مشاهد مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل التي ارتكبت أثناء صلاة الفجر ، فكانت ردة الفعل أن اندلعت المواجهات بين المصلين في المسجد الأقصى المبارك وجنود جيش الاحتلال فارتقى 7 شهداء وجرح 250 ، وأما في صفوف العدو فقد أُصيب 13 جندياً ،
اشتعلت الأرض تحت أقدام الطغاة في كل أرجاء فلسطين ، وحشدت سلطات الاحتلال الإسرائيلية لمواجهة هذه الانتفاضة العارمة أكثر من 60,000 جندي ، و 1000 دبابة ، و 450 طائرة مقاتلة من طراز إف 16 وإف 15 إيجل وفانتوم ، و50 مروحية من طراز أباتشي .
ويعتبر الطفل محمد الدرة ذو الأحد عشر عاماً والذي استشهد يوم السبت 30/9/2000م في حضن والده رمزًا للانتفاضة الثانية ، حيث كان يحتمي إلى جوار أبيه ببرميل إسمنتي في شارع صلاح الدين جنوبي مدينة غزة ، فقد أثارت مشاهد استشهاده ومشاهد ما حصل في الأقصى غضب أبناء شعبنا الفلسطيني في كل مكان فخرجت المظاهرات الغاضبة ، ووقعت المواجهات مع جيش الاحتلال فسقط الشهداء والجرحى واشتدت أحداث الانتفاضة .
جاءت انتفاضة الأقصى لتثبت أن الشعب الفلسطيني ما زال حياً حتى بعد مرور أكثر من نصف قرن على نكبته الكبرى ، ولتؤكد للقاصي والداني أنه ما زال مستعداً للتضحية والفداء ومواصلة مسيرته النضالية إلى أن يندحر الاحتلال وتشرق شمس الحرية والاستقلال ويتنفس صبح العودة ، ولتثبت أن القمع والتضييق والحصار الذي مارسته سلطات الاحتلال الإسرائيلية مهما اشتد لا يثنيه عن ثوابته الوطنية وعن حقوقه بكل السبل المشروعة ، ولا يؤثر في صموده ، بل زاده يقيناً بأن لا طريق أمامه سوى المقاومة ، ونجحت الانتفاضة في إسقاط مقولة [ المفاوضات هي السبيل الوحيد لبلوغ الحقوق والآمال المشروعة ] وسقطت مثلها أيضاً مقولة [ الأرض المتنازع عليها ] عن فلسطين ، وظهرت الحقيقة الجلية الواضحة للعالم كله بأن فلسطين أرض محتلة .
أما دوافع الانتفاضة فهي تراكمات كثيرة : فبدءاً من نهاية عام 1999 ساد شعور بالإحباط لدى الفلسطينيين بسبب انتهاء الفترة المقررة لتطبيق الحل النهائي حسب اتفاقيات أوسلو المشؤومة ومماطلة إسرائيل في تطبيق الجوانب المتفق عليها ، وبسبب جمود المفاوضات بعد قمة كامب ديفيد ؛ حيث اتضحت محاولة إسرائيل المدعومة من الإدارة الأمريكية فرض حل على الفلسطينيين يتنافى مع حقوقهم الثابتة غير القابلة للتصرف والتي أجمع عليها العالم ، وبسبب سياسة الاغتيالات والاعتقالات والاجتياحات للمدن الفلسطينية المتواصلة ، وبسبب رفض الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال ، واستمرار بناء المستوطنات واستبعاد عودة اللاجئين وعدم الانسحاب من الأراضي المحتلة لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس حسبما تم الاتفاق عليه ، فأيقن الفلسطينيون بعدم جدوى عملية السلام للوصول إلى حقوقهم .
بلغ عدد الشهداء 5389 منهم 995 طفلاً و194 امرأة ، وبلغ عدد الجرحى 48322 من بينهم 3530 يعانون الإعاقة الدائمة ، وتعرضت المدن والقرى الفلسطينية المحتلة للاجتياحات العسكرية تم أثناءها هدم أكثر من 27 ألف منزل وتجريف ومصادرة عشرات آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية منها 22 ألفاً لبناء جدار الفصل العنصري ، ودمرت الدبابات الإسرائيلية آلاف السيارت الخاصة والعامة وسيارات الإسعاف أثناء اقتحامها الشوارع ، ونفذت سلطات الاحتلال خلال أحداث الانتفاضة والسنوات التي تلتها أكثر من 90 ألف حالة اعتقال ضد الفلسطينيين ، وأبعدت مئات من أبناء شعبنا إلى خارج الوطن أو من الضفة الغربية إلى قطاع غزة ، وأدت هذه الانتفاضة المجيدة إلى قتل أكثر من 1200 جنديّ إسرائيلي ، وجرح 4500 آخرون .
اما ردة الفعل في الأمة العربية فقد تفاعل أبناؤها مع الانتفاضة لدرجة أن دولاً لم تعرف المظاهرات خرجت فيها المظاهرات المؤيدة للانتفاضة الفلسطينية مما أحرج الأنظمة ، فبعد شهر عقدت القمة العربية الطارئة في القاهرة والتي تبنت على استحياء دعم وإعطاء صبغة شرعية لانتفاضة الأقصى . وفي العالم الإسلامي أيضاً خرجت المظاهرات الحاشدة المؤيدة للانتفاضة والمطالبة بتحرير القدس وفلسطين ، وعقد مؤتمر الدوحة الإسلامية بعد شهرين تحت عنوان قمة الأقصى ، جاء بيان هذه القمة أقوى من بيان القمة العربية ، فقد تضمن النقمة على الاحتلال وانتقد لأول مرة الموقف الأميركي الداعم للاحتلال والمتسامح مع جرائمه البشعة ضد الشعب الفلسطيني ، وحتى المجتمع الدولي خرج قليلاً عن صمته المعتاد فأدان الاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني الأعزل .
ولعل من أبرز آثار هذه الانتفاضة أنها أحيت من جديد سلاح المقاطعة للبضائع الأميركية والإسرائيلية ، وأما أبرز أحداثها اغتيال وزير السياحة في الحكومة الصهيونية آنذاك (رحبعام زئيفي) على يد مقاومين من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين رداً على اغتيال زعيمها الشهيد أبو علي مصطفى . وعمل السفاح شارون على اغتيال أكبر عدد من قيادات الصف الأول في الفصائل الفلسطينية في محاولة منه لإخماد الانتفاضة ولإضعاف المقاومة وإرباكها ، وفي مقدمتهم الشهيدين الرئيس ياسر عرفات والشيخ أحمد ياسين وغيرهما .
ولخص الرئيس الشهيد ياسر عرفات رحمه الله جرائم الاحتلال في انتفاضة الأقصى عام 2003 بقوله [ إن هذا الاحتلال العنصري الإسرائيلي الذي نواجهه هو أبشع صور الإرهاب التي يتعرض لها شعب على وجه الأرض ؛ إن شعبنا مضت عليه عقود طويلة مليئة بالآلام والعذابات والاعتقالات والتنكيل والهدم والتدمير لبنيتنا التحتية ومدننا وقرانا ومخيماتنا ومزارعنا ومصانعنا ؛ مستخدماً طائرات الأباتشي وأل إف 15 ، وإف 16 أميركية الصنع لضربنا بالصواريخ والقنابل واليورانيوم المستنفذ المحرم دولياً . أتحدث إليكم من هنا من مدينة رام الله ، ومن مقري بالمقاطعة المحاصرة من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي ، الذي يفرض على شعبنا الفلسطيني أطفالاً ونساءً ورجالاً حصاراً خانقاً وإغلاقاً محكماً ، ويمارس حرباً دموية ووحشية وعدواناً متصاعداً عليهم في كافة مدننا وقرانا ومخيماتنا وتجمعاتنا السكانية ، حيث يعيث جيش الاحتلال والمستوطنون ووحدات المستعربين ويمارسون أبشع أساليب الحصار والجرائم والتنكيل بمواطنينا ، حيث يحرمونهم من أبسط حقوقهم الإنسانية في حرية الحركة والتنقل ، وكسب قوتهم اليومي ، ناهيكم عن الاعتداءات اليومية والمتكررة ، والانتهاكات لحرمة مقدساتنا المسيحية والإسلامية في القدس الشريف ، مع ما يصاحب ذلك من منع المؤمنين والمصلين من الوصول إلى دور العبادة وأداء صلواتهم وشعائرهم وطقوسهم الدينية ] .
تميزت انتفاضة الأقصى بمميزات كثيرة : فالقيادة الرسمية السياسية والعسكرية كانت وسط المعركة وموجودة بين ظهراني الشعب ، ومن المفارقات الواضحة أن الانتفاضة الأولى التي انطلقت في 9/12/1987 قادت إلى سلسلة اتفاقات السلام التي بدأت في أوسلو وانتهت عام 1993 بتوقيع اتفاق المبادئ ؛ بينما قادت انتفاضة الأقصى إلى شبه دفن لعملية السلام وأظهرت الرفض الشعبي الفلسطيني لها ، فلم يعد الفلسطينيون يتحدثون عن عملية السلام بذات المستوى ، ولوحظ ارتفاع حدة الخطاب الرسمي الفلسطيني والذي برز في تصريحات الرئيس الشهيد ياسر عرفات ؛ وبالأخص في لحظات تأبين الشهداء فكان يدعو إلى مواصلة الكفاح المسلح وتحمل التضحيات لنيل الأهداف المشروعة للشعب الفلسطيني .
توقفت انتفاضة الأقصى بعد استشهاد الرئيس ياسر عرفات رحمه الله بفترة قصيرة، ففي قمة النصف الساعة التي عقدت في شرم الشيخ بتاريخ 8/2/2005 أعلن رسمياً عن وقف العمليات العسكرية من الجانبين. ولكنها حقيقة لم تنتهِ على أرض الواقع ، فالمواجهات مع جيش الاحتلال ما زالت مستمرة ، بل إن المواجهات التي تشهدها مدينة القدس المحتلة بسبب الاقتحامات المتكررة يومياً للمسجد الأقصى المبارك قد تكون شرارة لاندلاع انتفاضات جديدة .
فبعد مرور عقدين على انتفاضة الأقصى تلك ما زالت تظهر في الأفق بين فترة وأخرى دواعي انتفاضة جديدة، فمدينة القدس تخضع لإجراءات التهويد ، ويتعرض المسجد الأقصى المبارك يومياً للاقتحامات وتحدق به مخاطر التقسيم الزماني والمكاني تمهيداً للاستيلاء عليه بالكامل وهدمه وإقامة الهيكل المزعوم في مكانه .
وعلى الرغم من انطلاق قطار التطبيع سريعاً بين بعض الأنظمة العربية وربما الإسلامية مع الاحتلال الإسرائيلي فإنني أذكّر الجميع بأن فلسطين والقدس هي أرض الطائفة المنصورة التي أخبرنا عنها صلى الله عليه وسلم بقوله { لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر اللَّه وهم كذلك ، قالوا يا رسول اللَّه وأين هم ؟ قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس } رواه احمد ، وأذكّرهم أيضاً بأن القوي لن يبقى قوياً إلى الأبد وأن الضعيف لن يبقى ضعيفاً إلى الأبد فقد مرت الأمة في تاريخها بمعتدين شرسين ومجرمين لكن الأمة نهضت من سباتها وقاومت محتليها وطهرت أرضها منهم ، هذه سنة الله التي تعلمناها في الماضي والحاضر ، وليعلم الاحتلال أن المسجد الأقصى المبارك جزء من عقيدة مليار ونصف من المسلمين بقرار رباني قال تعالى { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } الإسراء 1.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الشيخ الدكتور تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس
-150x150.jpg)