الوحدة والتضامن
بقلم: د. محمد أكرم
الندوي
عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين
مما أثقل صدري، وألقى على القلب
ظلًّا من الأسى، ما رأيته في زيارتي الأخيرة إلى مسجدٍ في شمال المملكة المتحدة،
ارتفع الأذان صافياً رقراقاً، كأنه يدعو النفوس إلى واحةٍ من السكينة، فإذا ببعض
المسلمين يمضون عنه كأنه لم يُنَادِهم، ثم لا يلبثون أن يُقيموا لأنفسهم جماعةً
أخرى، في الموضع نفسه وللصلاة نفسها.
ورأيت آنذاك، بكل ما في الرؤية من
مرارة، أنّ ما تفرّقوا به كان عندهم أعظم مما يجمعهم، وأنّ الهوى في الانتماء إلى
جماعةٍ صغيرةٍ قد غلب نداء الانتماء إلى الله الأكبر، وإلى الصلاة التي ما شرعت
إلا لتوحيد القلوب قبل توحيد الصفوف.
والصلاة، وما أدراك ما الصلاة!
ساعةٌ من أنفاس الروح، يخلع فيها المرء أثقال الدنيا، ويقف مع إخوته بين يدي
الواحد الأحد، فإذا وقفوا صفًا واحدًا، شعروا بأنّهم، مهما اختلفت ألوانهم
ولهجاتهم ومشاربهم، خَلْقٌ واحد، قد سوّت العبادة بينهم كما تسوّي الأرضُ ظلّ الشجرة
في ساعة الضحى. وذلك الخضوع الذي يرقّ له القلب، إنما خُلق ليطرد من النفوس زهوَ
الفوارق، وليملأها بنور المساواة والأنس والوئام.
وكان رسول الله ﷺ حين يضيق صدره
بما في الحياة من شدة، يقول لبلال: “أرحنا بها يا بلال”؛ كأنه يدعو
الناس إلى رياضٍ من الراحة تُنسِيهم صخب الدنيا. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون؛
كلمةٌ ما إن ينطق بها الإنسان حتى تنجلي عن قلبه غشاوة الفزع، لأنها تردّه إلى
أصله: أنّه مِلكٌ لله، وأنه ماضٍ إليه لا محالة، ولا مفرّ لحيّ من هذه الحقيقة.
فإذا كنا نعلم هذا كلّه، وندركه
في أعماقنا، فكيف يطغى انتماء الإنسان إلى فئةٍ أو جماعةٍ على انتمائه إلى الله؟
وكيف تبلغ العصبية مبلغًا يصرف صاحبها عن نداء الصلاة، وهو نداء الوحدة قبل أن
يكون نداء الركوع والسجود؟ إنّ هذا لهو الدليل القاطع على أنّ في النفوس خللاً
ينبغي علاجه، وأنّ الانتماء حين ينحرف عن غايته يصبح قيدًا يصدّ عن الخير بدل أن
يدفع إليه.
وقد أمرنا الله ورسوله ﷺ أن نكون
جسدًا واحدًا؛ نتراحم، ونتناصر، ونذود عن ديننا سدًّا منيعًا. ولكنّ ما نراه اليوم
أن الجماعات الإسلامية، بدل أن تكون بنيانًا يشدّ بعضه بعضًا، صارت جزرًا متباعدة،
تتنازع، وتستنجد بالبعيد، وتنسى أن الأقرب أولى بالوصال.
والمؤلم أن الجماعة، أي جماعة،
تبدأ بفكرة، ثم لا تلبث الفكرة أن تُنسى، ويبقى الاسم والشعار، ويصير الحفاظ
عليهما أهمّ من كلّ ما سواهما. فيغدو الفخر بالانتماء أغلى من الإيمان، وأغلى من
الحق، وربما أغلى من طاعة الله ورسوله ﷺ.
وحين تبلغ الأمور هذا المدى، يصبح
إصلاحها عسيرًا، لا يُنال بضربة واحدة، بل بخطوات صغيرة، كالنور حين يبدأ خافتًا
في آخر الليل ثم لا يلبث أن يمحو الظلمة كلها. فإذا صدقت النية، وصبر الناس على
تلك الخطوات، عاد إليهم إن شاء الله وجه الوحدة الجميل الذي غاب.
ولعل أول هذه الخطوات أن نفصل ما
هو حقٌّ مشترك للجميع عن ما هو شأنٌ خاص بفردٍ أو جماعة، فالناس، مهما علت
منازلهم، إذا دخلوا مطارًا أو محطةً، اتّبعوا نظام المكان، لأنّ النظام قوام
الحياة. هكذا ينبغي أن يكون أمرُ المسجد: نداءٌ يبلُغ الأسماع فتستجيب له القلوب،
وإمامٌ يتقدّم فيلزم الناسُ اتباعه؛ فإن وقع في خطأ فالصلاةُ ماضيةٌ غير مردودة،
ثم يُنبَّه بعد الفراغ منها برفقٍ ووقار، فطاعته في تلك اللحظة ليست تعظيمًا
لشخصه، بل لأنها الطريق الأقرب إلى طاعة الله.
وما أكثر الجماعات التي تنشأ من
فكرة أُسيء فهمها، أو من ظنٍّ أُسيء تأويله! وهذه الأفكار، مهما عظمت في نفوس
أصحابها، لا تغيّر شيئًا من طبائع الحياة: لا تُبرئ مريضًا، ولا تزيد سرورًا، ولا
تمنع مصيبة، ولذلك يكون من أجمل ما يقرّب القلوب أن يجلس المختلفون على مائدة
واحدة، أو يتجولوا في السوق جنبًا إلى جنب، أو يتقاسموا فرحًا أو حزنًا. فربّ
الناس ربٌّ واحد، ورحمته تشملهم جميعًا، وحكمه يوم القيامة يفصل بينهم، فلا يبقى
لانتماءٍ أو قبيلةٍ أو جماعةٍ وزنٌ ولا أثر.
وكلُّ حاجزٍ نقف أمامه في هذه
الحياة يحتاج إلى تضحية صغيرة لنمضي من حوله أو فوقه. وأعظم التضحية، وأشدّها على
النفوس أن نترك حاجة النفس إلى ترديد رأيها، وأن نسكت عمّا نحب أن نفاخر به، وعن
ذمّ ما نكره، فنحن لا نُطالَب بترك آرائنا، ولكن نُطالَب أن نترك ضجيجها.
والله، جلّت حكمته، سيتولى يوم
القيامة بيان الحقّ، وإزالة ما في القلوب من أحقاد. والسير نحو هذا النور، ولو
خطوة بعد خطوة، يعيد إلى الأمة وحدتها، ويمنح المسلم كرامته الحقة: كرامة من أسلم
وجهه لله، يسأله أن يهديه، لا أن يخضع اللهُ لإرادته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
-150x150.jpg)