بسم الله الرحمن الرحيم
العقل الإنساني والمسؤولية الأخلاقية في نظام
العالم
بقلم: د. محمد أكرم الندوي
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
ينكشف الوجود الإنساني في إطار عالم يقوم على قدرٍ بيّن
من الانتظام والاتساق والموثوقية في تعاقب الظواهر وتولّد النتائج عن أسبابها،
وهذا الانتظام لا يقتصر على الطبيعة الصمّاء، بل يشمل أيضاً مجال الفعل الإنساني
بما هو فعل مقصود وموجّه.
فالنبات لا ينهض ولا يثمر ما لم تتوافر له شروطه من ماء
وضوء وغذاء، كما أنّ المشروعات البشرية لا تتحقّق بمجرّد النية الحسنة أو التخيّل
المجرد، بل تحتاج إلى جهد متواصل، يُبذل في زمانه، ويُرتّب على وجهه، ويخضع لمنطق
الوسائل والغايات.
وليس هذا النظام حتمية قاسية تُلغي الحرية، بل هو بنية
مرنة تتيح للعقل أن يعمل، وللإرادة أن تختار، وللمسؤولية أن تقوم.
ولو كان العالم على غير هذا النحو، لانتقض معنى العلم،
ولبطلت قيمة التجربة، ولصار السحر، لا العقل، سبيل الإنسان إلى تفسير الوجود
والتعامل معه.
غير أنّ العالم لم يُبنَ على هذا الأساس، وهذا وحده كافٍ
لأن يفتح باب التساؤل الفلسفي عن الغاية من هذا البناء؟
وإذا نظرنا إلى هذا النظام من منظور إيماني، بدا لنا أنّ
انتظام العالم ليس مجرّد واقعة ميتافيزيقية أو ضرورة معرفية، بل هو في جوهره شرط
أخلاقي،
فقد شاء الخالق أن يُقيم الوجود على صورة تجعل الجهد
ممكناً، والمسؤولية ذات معنى، والمحاسبة عادلة.
فالعلاقة بين السبب والنتيجة ليست حياداً كونيّاً، بل هي
الإطار الذي تُمارَس داخله الكرامة الإنسانية. ذلك أنّ الإنسان لا يكون مسؤولاً
إلا إذا كان قادراً على أن يفهم ما يفعل، وأن يتوقّع في الجملة ما يترتّب على
فعله. ومن ثمّ فإن انتظام العالم هو الذي يسمح للعقل أن يوجّه السلوك، وللإرادة أن
تتحمّل تبعات اختيارها.
ومن هنا يتبيّن أنّ النزوع إلى التفكير السحري، أو
الاتكال على التمنّي المجرد، ليس مجرّد خطأ في طرائق المعرفة، بل هو ضرب من
التنكّر للمسؤولية. فالسعي إلى النتائج من غير التزام بالوسائل، والرغبة في جني
الثمار من غير صبر على الزرع، إنما هما إنكار للدور الأخلاقي الذي خُصّ به
الإنسان.
وليس في ذلك تقليل من شأن القدرة الإلهية، بل العكس هو
الصحيح؛ إذ إنّ تجاوز سنن العالم هو في حقيقته رفض للحكمة التي أُقيمت بها هذه
السنن. فالمسؤولية ليست عبئاً عارضاً، بل هي جوهر الإنسانية، وبدونها يفقد الإنسان
امتيازه الأخلاقي، ويتحوّل إلى كائن تحكمه المصادفة أو الأهواء.
وتقع المسؤولية، بهذا الاعتبار، في قلب التجربة
الإنسانية. فهي تفترض العقل بوصفه أداة للفهم، والبصيرة بوصفها قدرة على تقدير
العواقب، والوعي بوصفه إدراكاً للترابط بين الفعل والنتيجة.
ولو انتفى هذا الترابط، لما استقام حكم أخلاقي، ولا صحّ
ثواب أو عقاب، إذ لا معنى للمحاسبة في عالم لا تنتظم فيه الأفعال وآثارها.
ومن هنا، فإنّ انتظام العالم هو الأساس الذي تقوم عليه
العدالة، سواء أكانت عدالة بشرية تسعى إلى تقويم السلوك في حدود الزمان، أم عدالة
إلهية تمتد إلى ما وراء الحياة الدنيا. وعلى هذا الأساس يتوقّف كل ما يهمّ الإنسان
حقاً: نجاحه أو إخفاقه في شؤون دنياه، ومآله في الحياة الآخرة.
ويأتي الإيمان بالآخرة ليمنح هذه المسؤولية عمقاً أشدّ
واتساعاً أبعد. فالفعل الإنساني، في هذا الأفق، لا يُقاس بآثاره القريبة وحدها،
ولا يُختزل في نجاح عاجل أو فشل مؤقت، بل يُدرَج في سياق أخلاقي شامل ينتهي إلى
الحساب.
وليس في هذا الإيمان ما يعطّل العقل أو يثقل كاهل الجهد،
بل هو على العكس يمنحهما اتجاهاً ومعنى.
فخشية الوقوف بين يدي الخالق ليست خوفاً غريزياً أعمى،
بل وعي عقلاني بأنّ للوجود غاية، وللفعل ميزاناً، وللحرية حدوداً.
وبهذا المعنى، تغدو المسؤولية ممتدّة عبر الأجيال، شاملة
للحاضر والمستقبل، ومتصلة بمصير الإنسان في أوسع معانيه.
غير أنّ الإنسان الحديث، على ما بلغه من تقدم علمي،
كثيراً ما يُخفق في الوفاء بمقتضيات هذه المسؤولية.
فالعلم، من حيث هو معرفة منظمة تقوم على الكشف عن العلل
والروابط، يفترض الاعتراف بتعقيد العالم وترابط أجزائه. لكنّ التطبيقات التقنية
كثيراً ما تنفصل عن هذا الوعي، فتُختزل الظواهر في وظائفها المباشرة، وتُنتزع من
سياقها البيئي والاجتماعي. وعندئذٍ يتحوّل العلم من أداة للفهم إلى وسيلة للسيطرة،
ومن مسعى عقلاني إلى نوع جديد من السحر، قوامه الاعتقاد بأنّ التدخل التقني قادر
على إنتاج المنافع من غير أن يخلّف أضراراً.
ويتجلّى هذا الخلل بوضوح في بعض الممارسات الزراعية
المعاصرة، ولا سيما في بلدان كالهند، حيث يُسخَّر العلم لزيادة إنتاج محصول واحد
على حساب النظام الطبيعي بأسره.
فالتكثيف المفرط للأسمدة والمبيدات قد يرفع الغلّة في
الأمد القصير، لكنه يدمّر التربة، ويقضي على الكائنات الدقيقة، ويخلّ بالتوازن
البيئي الذي تقوم عليه الزراعة نفسها.
وهكذا يُضحّى بصحة الأرض من أجل ربح سريع، بينما تُلقى
التبعات الثقيلة على الفقراء، وعلى الأجيال التي لم تُستشر ولم تنتفع.
ولا يدلّ هذا المسلك على قصور في المعرفة، بقدر ما يكشف
عن ضيق في الأفق الأخلاقي. فهو تعبير عن مسؤولية مبتورة، تحسب الحساب لما هو قريب،
وتغفل عمّا هو بعيد. ومن منظور ديني، هو إخلال بالأمانة التي حُمّلها الإنسان
بوصفه خليفة في الأرض، مسؤولاً لا مالكاً مطلقاً.
فالطبيعة ليست شيئاً خارجياً يُستنزف ثم يُلقى جانباً،
بل هي نظام مترابط لا يستقيم بعضه إلا ببعض، ولا يصحّ التعامل معه إلا بالرعاية
والتعقّل وضبط الشهوة.
ومن ثمّ، فإن العقلانية الحقّة لا تنفصل عن القيم، ولا
تستقيم بغير توجّه أخلاقي. فالعقل إذا تحوّل إلى أداة حساب خالصة، فقد روحه، وأضحت
قوته سبباً للهلاك لا للبناء.
ولا بدّ للجهد الإنساني أن يستند إلى وعي بالمسؤولية
أمام الله، وإلى إحساس عميق بقدسية الحياة وترابطها. ويظلّ الإيمان بالآخرة الضامن
الأكبر لهذا الوعي، لأنه يذكّر الإنسان بأنّ النجاح العابر لا يعفي من الحساب،
وأنّ كل فعل -مهما بدا صغيراً- محفوظ في ميزان العدل الإلهي.
فانتظام العالم ليس أمراً عرضياً، بل هو شرط مقصود
لإمكان الحرية والمسؤولية معاً.
فقد أُقيم الوجود على نحو يجعل للجهد ثمرة، وللاختيار
معنى، وللمحاسبة مشروعية.
وإنّ الانحراف عن هذا النظام، سواء بالتفكير السحري أو
بالتوظيف النفعي للعلم، هو مساس بجوهر الكرامة الإنسانية. فالعقل، حين يقترن
بالمسؤولية، وحين يستضيء بنور الحساب، يغدو أداة للعمارة لا للهدم، وسبيل الإنسان
إلى أن يكون أميناً على العالم الذي وُضع بين يديه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
-150x150.jpg)