آخر الأخبار

سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة

شارك المقال على :

سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة

(الحلقة
السابعة)

بقلم: التهامي مجوري

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

*  سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 1

* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 2

* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 3

* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 4

* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 5

* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 6

 

فضائل سورة الكهف

وردت في فضل سورة الكهف جملة من الأحاديث، في بعضها النص
على فضائل خاصة بها دون غيرها من سور القرآن الكريم…إلخ، وفي بعضها الآخر
الترغيب في قراءتها، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: “من قرأ أول سورة الكهف
وآخرها، كانت له نورًا من قدمه إلى رأسه، ومن قرأها كلها كانت له نورًا ما بين
الأرض إلى السماء”[1]، وكما جاء في قصة أسيد بن
حضير[2]، الذي كان يقرأ “سورة ‌الكهف،
وعنده فرس مربوطة بشطنين، فتغشته سحابة فجعلت تدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما
أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر له ذلك، فقال: تلك السكينة تنزلت
للقرآن” وفي رواية “اقرأ فلان، فإنها السكينة تنزلت عند القرآن”
“أو للقرآن”، وفي رواية “تنزلت بالقرآن”[3]، وفي بعضها الآخر يثني
عليها من حيث هي حافظة للمؤمن من فتن قادمة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم:
“من حفظ عشر آيات من أول سورة ‌الكهف عصم من فتنة الدجال”، وفي رواية
“من آخر ‌الكهف”، وأخرجه مسلم وأبو داود، وفي رواية الترمذي “ثلاث
آيات من أول سورة ‌الكهف”[4]، ويرغب أيضا في قراءتها
بالمطلق كما جاء في الحث على قراءتها كل يوم جمعة، في قوله صلى الله عليه وسلم
“من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بينه وبين
الجمعتين”[5].

وكأني بهذه السورة خارطة طريق للمؤمن، تُكسِبه الكثير من
الفضائل والثوابت الإيمانية والعلمية المقررة في الكتب السماوية كلها، كذكر حقيقة
المصير الأخروي الذي هو الأساس، أمام المغريات الدنيوية كلها، مهما كثرت وتزينت
وتعلقت بها النفس (
إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا
لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا 
* وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا) [الكهف 7 – 8].

لقد تساءل الأستاذ العلامة الرباني أبو الحسن علي الحسني
الندوي رحمه الله، حول هذه الفضائل التي خصت بها سورة الكهف، وخاصة قضية الأمن من
فتنة الدجال، وخرج بنتيجة أن موضوع هذه السورة يكاد ينحصر في قضية مركزية وهي قضية
الصراع بين المادية والإيمان، وقد كتب مقالات في ذلك وأصدرها في كتاب بهذا
العنوان: “الصراع بين المادية والإيمان: تأملات في سورة الكهف”، وقد
استشهد على ذلك بالصراع الذي كان بين المجتمعات ومعتقداتهم الدينية، ومنها على وجه
الخصوص ما جرى بين الموحدين والمشركين في الديانة النصرانية اليهودية، ومن باب
أولى ما كان بين محمد صلى الله عليه وسلم وقومه من المشركين في مكة، إبّان نزول
هذه السورة في السنة الرابعة أو الخامسة للبعثة.

مضامين سورة الكهف

لقد أصاب الشيخ الندوي رحمه الله في عرضه لمضامين سورة
الكهف التي تكاد تنحصر في الصراع بين أهل الإيمان وأهل الشرك، وغيرهم من الماديين
الذين أخلدوا إلى الأرض، ولكن ذلك كان مجملا، والسورة دخلت في تفاصيل مهمة لها
علاقة بدقائق هذا الصراع وأسبابه المتأصلة في النفس البشرية، فكانت الصورة بمثابة
الخريطة السننية التي ينبغي على الكوكبة الجديدة من الموحدين بقيادة محمد صلى الله
عليه وسلم أن ينتبهوا إليها، بحيث يكون إلمامهم بهذه الخريطة عاصما لهم من الكثير
من المزالق، وداعما لهم في خططهم الدعوية والتبشيرية بالمبادئ التي يدعون إليها،
قبل مجيء الدجال الذي لم يحدد زمنه، بحيث أن الإلمام بهذه السورة حفظا وتكرارا
لقراءتها، يكون عاصما من كل الفتن وليس من فتنة الدجال فحسب.

لقد مرت الأمم بتجارب كثيرة في ذلك، وما مرت به من متاعب
وابتلاءات وصعوبات وفتوح ربانية ونجاحات في مغالبة الشر وأهله من المشركين وغيرهم،
قابل لأن يهتدى بهديه، ولذلك كانت القصص الأربعة التي أوردتها سورة الكهف كلها تصب
في هذا المصب، وهو عرض خبرة الأقوام والإشارة إلى كيفية الاستفادة منها، ومما جاء
فبها من نجاحات وإخفاقات…، فكانت السورة حقيقة معبرة عن غايات سامية، ومنها أن
حافظها وقارئها مرشح للعصمة من فتنة الدجال، بفضل ما يتمتع به من قيم حثته عليها،
فكشفت له عن أسرار الوجود وكيفية التعامل معها.

ورغم أن القرآن كله كلام الله، ومنزه عن تحكم الزمان
والمكان والحال، بحيث أن مدلول الآية الواحدة نزلت في مكة أو في المدينة، أو كانت
من أوائل ما نزل أن من أواخره، فإن تقريراتها واحدة، وهي أنها قانون ساري المفعول
إلى أن تقوم الساعة، وبأي
سورة منها تعلق المرء، أصاب المطلوب في الموقف من
القرآن؛ لأن القرآن كلام الله والله ليس كمثله شيء.

إن
“هذه السورة، هي السورة القرآنية الفريدة، التي تحتوي على أكبر مادة وأغزرها
فيما يتصل بفتن العهد الأخير، التي يتزعمها الدجّال، ويتولى كبرها ويحمل رايتها،
وتحتوي على أكبر مقدار من الترياق الذي يدفع سموم الدجّال ويبرئ منها، وأن من
يتشرّب معاني هذه السورة ويمتلئ بها- وهو نتيجة الحفظ والإكثار من القراءة في عامة
الأحوال- يعتصم من هذه الفتنة المقيمة المقعدة للعالم، ويفلت من الوقوع في شباكها،
وأن في هذه السورة الكريمة من التوجيهات والإرشادات، والأمثال والحكايات، ما يبين
الدجّال ويشخّصه في كل زمان ومكان، وما يوضّح الأساس الذي تقوم عليه فتنته ودعوته،
وتهيئ العقول والنفوس لمحاربة هذه الفتنة ومقاومتها، والتمرد عليها، وإن فيها روحا
تعارض التدجيل وزعماءه، ومنهج تفكيرهم، وخطة حياتهم في وضوح وقوة”[6].

وإذا
كانت عاصمة للمؤمن من فتنة الدجال، بحفظها وتلاوة آياتها، فإنها عاصمة من باب أولى
من كل أصناف الدجالين عبر التاريخ وما أكثرهم، بفضل ما احتوت عليه هذه السورة من
قيم إيمانية وثوابت معرفية راسخة.

لقد
تميزت سورة الكهف في عرض القيم التي أرادت ترسيخها في حياة المؤمنين بالأسلوب
القصصي، والأسلوب القصصي له ميزاته المختلفة عن الأساليب الأخرى، حيث يتميز
بالرواية التاريخية، وصياغة الوقائع وعرض الخبرة التاريخية كشواهد على صلاحية
الاهتداء بما أسفرت عنه من قوانين وثوابت ومتغيرات، كما يتميز بقوة الخيال واتساعه
في اختزال المشاهد في محطات معينة تفهم تفاصيلها من السياق، بحيث لا يحتاج القارئ
أو السامع إلى التفاصيل التي احتوتها القصة…، فالقصص الأربعة ينطبق عنها هذا
الأسلوب، فالمشاهد المذكور في السورة اهتمت بذكر محطات معينة يفهم منها الكثير من
التفاصيل التي لم تذكر ولكنها تفهم من المحطات نفسها وما ترتب عنها من مقررات معرفية
وعملية… وكأنها مشاهد سنمائية، متباعدة في شكلها ولكنها توحي بمشاهد تفهم في
مجملها من السياق كقصة واحدة لها بداية ولها نهاية ولها تفاصيل تدرك من خلال
السياق من غير تنصيص عليها. 

يتبع

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة:
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين.



[1]– أخرجه الإمام أحمد، المسند  وانفرد به

[2] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري

[3]أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، عن
البراء بن عازب، جامع الأصول رقم 6295

[4]أخرجه مسلم والترمذي وأبو داوج، عن
أبو الدرداء رضي الله عنه جامع الأصول رقم 6253

[5]– أخرجه الحاكم في المستدرك وقال هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.

[6]– أبو الحسن الندوي، تأملات في سورة الكهف، ص 9

التهامي مجوري
+ posts

أخبار ذات صلة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة

تونس.. حكم بالسجن 20 عاماً على الأستاذ راشد الغنوشي وعدد

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان