الشيخ
العلامة الدكتور علي القره داغي
مؤسس علم “فقه
الميزان”
كتبه: د.
دحام إبراهيم الهسنياني
عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين
فقه الميزان هو الفقه الموزون دون إفراط أو تفريط ولا زيادة
ولا تنقيص، وحاله في ذلك حال علم أصول الفقه الذي كان موجوداً بمبادئه، فجاء
الإمام الشافعي فأبرزه وجمع مبادئه وأصوله وضوابطه وتطبيقاته فجعله علماً عظيماً.
وفقه المیزان یضع الحلول للکثیر من القضایا؛ سواء ما کان
منها من أصول الدین، أو قضایا التغییر بکلّ صوره وأسالیبه وآلیّاته، حیث یضع لکلّ
ما ذُکر الضوابط الدقیقة لیؤطّرها في إطار القَبول والرّشد، کما أنّه یمثّل عاملًا
مهمًّا في ضبط التّصوّر والاستنباطِ وامتلاك القدرة علی فهم الواقع. والفقیهُ الذي
لا یمتلك هذا المعیار الدقیق لا یدرك حقائق الأشیاء، ولا یستطیع النفوذَ إلی
دقائقها وأغوارها، ومن هنا تبرز حاجة الفقیه إلی هذا النّوع من الفقه الذي یُکسبه
نظرةً أوسع وأرحب للأحکام التي یقتضيها الواقع المتجدِّد.
وقد مارس العلماءُ
والأئمة المجتهدون هذا النوعَ من العلم في استنباطهم وفتاویهم، غیر أنّه لم یُدوّن
بعد علمًا مستقلًا بذاته؛ لأجل هذا كان من الضرورة بمكان أن يجد هذا النّوع من
الفقه طريقه إلى النّور.
ویُعدّ کتاب فقه
المیزان الباب الواسع من أبواب الفقه، والذي حاز قصب السبق إلى تدوينه العلّامة الشيخ
الجليل الأستاذ الدكتور علي القره داغي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وقد انشغل به نحوًا من ربع قرن، فكان مشروعًا مبارکًا وجهدًا كريمًا،
یضع رؤیة متوازنة للأشیاء حتّی لا یقع الخلط والتّصادم، وحتّی تتمكّن العقلیّة
المسلمة من امتلاك أبجدیات فقه الواقع الذي یُمکّنها من القدرة علی تنزیل الأحکام
وتطبیقها، كما أنّه يهدف إلى ترشيد الجيل الصاعد من أهل النّظر والاجتهاد، ويُسهم
في ضبط الفوضى الفكرية والاجتهادية، وذلك من خلال بيان المقاييس التي توزن بها
الأمورُ، وتُؤطّر بها المصطلحات وتُجلى بها المفاهيم.
يعد كتاب فقه
الميزان لفضيلة الدكتور علي القرداغي مرجعاً فريداً، كما يعد إضافة نوعية في
قاموس الأمة في التعريف بمعاني القرآن الكريم والسنة النبوية على ضوء المقاصد
والأصول والواقع. وكما يعتبر الكتاب قيمة عملية منهجية يمكن الاستناد عليها
والبناء على نتائجها والتوسع في رصد مكنوناتها المادية والمعنوية، وهنا تتجلى
أهمية الكتاب، وتأتي مهمة الطلاب والعلماء من أبناء الأمة في شرقها وغربها.
فتح بكتاب فقه
الميزان نظرات جديدة لفهم النص القرآني والسيرة النبوية المباركة والممارسات
الشرعية والاجتهادية للخلفاء الراشدين ومن تبعهم؛ مستنيراً صاحبه برسوخ الفقه
ومنطق العلم واستدلالاته المحكمة والموثوقة والأدلة الثابتة.
قواعد فقه الميزان وفق نظرية الشيخ علي
القره داغي
وهذه مجموعة من
القواعد في فقه الميزان التي وضعها فضيلة الشيخ الدكتور علي القره داغي ضمن مشروعه
المبارك في أماكن مختلفة من كتبه، المشروع الفقهي الذي يهدف إلى تقديم منهجية
متوازنة لفهم الإسلام وتطبيقه، من خلال استخدام موازين دقيقة مستنبطة من القرآن
والسنة لتصحيح الخلل الفكري والاجتهادي في الأمة، ويؤكد على التوازن بين الدين
والدنيا، والعقل والنقل، لبناء مجتمع متوازن وسعيد، ويشمل جوانب عقدية ومنهجية واقتصادية.
1. إن من أهم ثوابت
الإسلام: أن الوحدة فريضة شرعية، وضرورة واقعية، وأن أداء فريضة الوحدة هي إقامة
الدين نفسه، قال الله تعالى: )شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا
وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ
إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا
فِيهِ(. (الشورى: 13). فالإسلام دين التوحيد في العبودية، والربوبية لله تعالى،
وكذلك فهو دين توحيد الأمة على الثوابت لتكون خير أمة أخرجت للناس.
2. إعادة الثقة داخل
الأمة بدينها وشعوبها المسلمة: أنها مثل الجسد الواحد.. وبيان
مصالح الوحدة ومنافعها الشاملة، وبيان مخاطر الفرقة، ليس على المستوى الديني فقط،
بل على مستوى وجود الأمة وهويتها وقوتها العسكرية، والاقتصادية، والاجتماعية،
لضرورة دراستها من الروضة إلى الجامعة.
3. إن طاعة أعداء
الإسلام ستترتب عليها الفرقة بلا شك، قال الله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ
إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ(. (آل عمران: 100).. وإن أعداء الإسلام لا يريدون أن يكون الإسلام ويبقى
على استقامته وصحته، بل يريدون تغييره إلى دين محرّف معوج، فقال الله تعالى: )قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ
تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ
شُهَدَاءُ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(. (آل عمران: 99).
4. بقاء الأمة يقظة
بحيث لا تسمح بالاختراقات. قال الله تعالى: )وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ
يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(. (آل عمران: 104)، وعلينا جميعاً أن نهتم بالمبادرات التي تعيد
للأمة ثقتها بدينها من خلال التربية والتزكية، وتقوية العقيدة وترسيخ الأخلاق.
5. وجود قوة عسكرية
للحفاظ على حدود البلاد، فقال الله تعالى: )وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا
عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ
اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(. (الحجرات: 9). حيث أمر الله تعالى هنا الفئة الثالثة لتحقيق
الصلح العادل.
6. تقبيح الفرقة
وذمها، حتى سماها الله تعالى “كفراً” فقال الله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ
إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ(. (آل عمران: 100). وقال النبي r في حجة الوداع: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب
بعضكم رقاب بعض). وقال الله تعالى: )مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ
فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ(. (الروم: 31 – 32).
7. إعادة الثقة بين
الحاكم والمحكوم، وبين الشعوب والأقوام المسلمة بأن تكون ثقة الشعب المسلم بالشعب
الآخر قوية. ومع الأسف الشديد، فإن ما فعلته بعض الأحزاب والحكومات العربية
والإسلامية بالشعوب الأخرى، أو بدولة مسلمة أخرى كان أشد مما فعلته الحكومات غير
المستعمرة في الظاهر، مع أن الحقيقة هي أن هؤلاء الحكام والأيديولوجيات كانوا من
صنيعهم.
8. يجب علينا وعلى
المخلصين من الحكام والمسؤولين والمربين، ووسائل الإعلام العمل الجاد والمخلص،
العمل لإعادة الثقة والمحبة والوئام بين جميع شعوب الأمة الإسلامية، من خلال خطة
استراتيجية ومرحلية تقوم على الأهداف الواضحة والمشاريع الناجحة، والبرامج
المؤثرة، والموارد المالية والبشرية الكافية.. وكلنا
أمل في الوصول إلى هدفنا الأعظم وهو وحدة الأمة الإسلامية، ولو بتدرج معقول.
9. إنّ ما قد نملك
السيطرة عليه هو كيفية التهيّؤ للأزمات والتعامل معها، فنحن كوننا أفراداً نملك أن
نُعيد تعريف النجاح لا امتلاكاً، بل قدرةً على الصمود والبقاء والازدهار في قلب
العاصفة. نملك أن نقول “لا بأس” و”الحمد لله” حين نفقد وظيفة
أو يفشل مشروع أو تنهار خطّة، فالسقوط ليس فشلًا، بل فرصة لإعادة التوازن، وربّما
إعادة التوجّه نحو فرصٍ أفضل وفضاءاتٍ أوسع.
10.
الميزان يمثل أهم معيار لفهم الشريعة فهماً
صحيحاً وعميقاً، ومن أهم أسباب رفع الخلاف وتقليله بين علماء وأبناء الأمة. ويعد فقه
الميزان معياراً مهماً لفهم القرآن والسُنة، كما أن فقه الميزان يطلق على عدة
معاني، والمقصود في فقه الميزان معرفة الموازين التي توزن بها أبواب الإسلام عقيدة
وشريعة ومنهج حياة والتعامل مع كل باب حسب ميزانه الخاص به، ومعرفة أوزان التصرفات
والأحكام الشرعية ووزنها من خلال كفتي الميزان للوصول إلى فقه موزون وفكر موزون.
11.
الميزان المعنوي هو الذي تُوزن به القيم
والأخلاق والآداب، بل يُفهم من الآيات أن هذا الكون قائم على موازين دقيقة وأي خلل
يؤدي إل تدمير الكون وقيام الساعة، فالأراضي والسموات والكواكب والشموس كلها قائمة
على وزن خاص بها، وكل المخلوقات لها ميزان خاص بها مُراعى، لذلك أصبح الكون موزوناً
ومتزناً، قال الله تعالى: )وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا
وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ(. (الحجر: 19).
12.
فقه الأولويات جزء من منظومة فقه الميزان ويساعد
على استيعابه، كما ان فقه الميزان مختلف عن فقه المقاصد من حيث أنه يبحث عن وضع
المعايير والموازين لكل موضوع وباب، ولكنه لا يستغني عن فقه المقاصد، حيث يحتاج
إلى مراتب المصالح والمفاسد حتى يضع لها معاييرها ويبين لكل واحد منها وزنها
المطلوب بين قائمة الأوزان الشرعية.
13.
فقه الميزان داخل في الحكمة ومنسجم معها؛ لأن
الحكمة وضع الشيء في محله المناسب، وفي الوقت المناسب. لذلك فالميزان هو الحكمة
المنزلة، وكلاهما هما توفيق رباني يُقدمه الله في قلوب أنبيائه وعباده الربانيين،
لكن فقه الميزان منضبط من خلال معايير ثابتة.
14.
فقه الميزان مفتاح المفاتيح لفهم الشريعة،
واعتبره من علوم الأصول وليس من علوم الفروع، فهو معيار لضبط الفهم والاجتهاد
والاستنباط، وهو مكمل لعلم أصول الفقه ومقاصد الشريعة، لأنه ميزان دقيق للفهم
والاستنباط العميق والاجتهاد المنضبط في جميع القضايا الأساسية.
15.
فقه الميزان يحتاج إلى علم راسخٍ من علوم اللغة
وأصول الفقه والتفسير والحديث وعلوم القرآن والسنة ونحوها، ويحتاج إلى فطرة سليمة
وعقول مستنيرة وبصيرة نافذة وقريحة قوية، وتدبر دون تعجب، ومعايشة مع النصوص دون
تسريح. وأنه من يتقن هذا الفقه يحتاج إلى من لديه قدرة على التجديد أو قبوله، ولو
أي عالم، ولكن لا يمكن أن يكون لديه ميزان يزن الأقوال دون وزن قائلها.
16.
إن فقه الميزان إذا أُتقن يرفع الخلاف في
الثوابت ويقلل الخلاف في المسائل الاجتهادية لوجود ميزان يرجع إليه، وفهم مشترك
نابع منه. كما أن المجتهد إذا أراد أن يكون اجتهاده عميقاً ودقيقاً يحتاج
إلى فقه الموازين الخاصة في أبواب الشريعة والحياة. والمفتي حينما يُفتي وهو ليس
بالمجتهد لا يستطيع وزن ما قاله الفقهاء ولا وضع معيار دقيق له إلا من خلال فقه
الميزان، ولو لم يكن لدى المجتهد أو المفتي أو الباحث فقه بالموازين لا يكفي أن
يطبق ميزان العبادات على ميزان العادات أو العكس. وكذلك يطبق ميزان السياسة على
غيرها أو ميزان الشاهد على الغائب. عند إذن يقع الخلل الكبير والخطأ في الاجتهاد
أو الفتوى.
17.
فقه الميزان تحمي الناس من الوقوع في اللبس
والخلط والإرتياء، فمثلاً: حينما يقرأ أحدهم قول الله تعالى: )يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا
وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ( (البقرة: 276). فلا
يمكن أن يستوعب نقصان الربا وزيادة الزكاة وهي نقصان مادي ظاهر إلا إذا فهم ان هذا
حسب ميزان الله تعالى، وليس حب ميزان الدنيا والمادة، ولا يمكن أن يفهم الحديث:
(لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ
الْمِسْكِ)، إلا إذا فهم أن الموازين عند الله غير موازين الله. وحتى إذا قرأ
الآيات عن خمر الجنة، بأنها لا تؤدي إلى الإسكار والضرر لما استطاع أن يستوعب ذلك،
إلا إذا علم أن ميزان الآخرة غير الدنيا.
18.
إن التعرف على الموازين المبثوثة في القرآن
الكريم في فقه الميزان لا يَستغني عنها أحد، فالمجتهد يعتمد عليها لدقة اجتهاده
والمفتي لدقة فتواه والباحث لدقة بحثه والعامي في سبيل القناعة والفهم والبينات،
حيث شمل فقه الميزان جميع أبواب العقيدة والشريعة. فالعدالة من الموزونات المادية
لا تتحقق إلا من خلال ميزان دقيق، فكذلك الأمور المعنوية والتكليفية لا بد من
ربطها بميزان معنوي. فالميزان موجود في الكتاب والسنة واستعمله الرسول الكريم r وصحبه الكرام y، وبين ذلك في كتابه فقه الميزان واستدل
بقوله تعالى: )لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا
بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ
النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ
لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ
اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ( (الحديد: 25).
19.
علل الله تعالى إنزال الميزان مع الكتاب لتحقيق
العدل الشامل للمادة والمعنى، وإن العدل لا يتحقق بالميزان المادي فقط، بل يتحقق
بهما معاً المادي والمعنوي. فالميزان المعنوي هو الذي نعرف به الحق من الباطل
والخير من الشر والهدى من الضلال والكفر من الإيمان والمفاسد والمصالح وحقوق
العباد وحقوق الله والأوامر والنواهي ومراد الله في ذلك.
20.
فقه الميزان هو الفقه الموزون دون إفراط أو
تفريط ولا زيادة ولا تنقيص وحاله في ذلك حال علم أصول الفقه الذي كان موجوداً
بمبادئه، فجاء الإمام الشافعي فأبرزه وجمع مبادئه وأصوله وضوابطه وتطبيقاته فجعله
علماً عظيماً. ثم جاء من بعده فطوره. وهذا الحال في علم مقاصد الشريعة حيث الأدلة
موجودة في الكتاب والسنة واجتهادات المجتهدين ثم جاء الإمام الشاطبي فجعله علماً
مستقلاً. وهكذا فقه الميزان يبحث للوصول إلى اجتهاد موزون وفقه موزون وتصور موزون
وحكم موزون وتعامل موزون وهكذا.
21.
يعرف مراتب الأعمال حسب معرفة الأوزان، لأن
الأوزان والرتب المعنوية غير متناهية، والموازنة داخل النصوص يحتاج لإدراك عميق في
علم أصول الفقه ومقاصد الشريعة واللغة العربية والسياق واللحاق ورعاية قواعد
الترجيح والتوفيق.
22.
الإسلام كله قائم على الفهم الثنائي، وليس
المنهج الأحادي للأشياء، وأن فقه الميزان يهدف للوصول إلى دين موزون وفكر موزون
وحضارة موزونة وهناك أمثلة في باب العقيدة والشريعة والدنيا والآخرة والعبادات
والشعائر التعبدية والمعاملات المالية، وفي الحضارة.
23.
تطبيق فقه الميزان بدقة يترتب على تطبيقه بصورة
كاملة الفقه الموزون القائم على الحق والوسطية والاعتدال. فالكون موزون بدقة
متناهية، قال الله تعالى: )وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ
شَيْءٍ مَوْزُونٍ( (الحجر: 19). والإنسان موزون في خلقه ومكوناته المادية قال الله تعالى:
)لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ
فِىٓ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ( (التين: 4).
كما الشريعة موزونة في حد ذاتها؛ لأنها متنزلة من الخالق المبدع العظيم وذلك في
قوله تعالى: )أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ( (الملك: 14). ولكن الإشكالية في فهمها وتنزيلها الدقيق لذلك لا بد أن
يكون فهماً موزوناً وفقهاً متوازناً لتكون تصرفاتنا الشرعية موزونة.
24.
مشروعية فق
-150x150.jpg)