تُعدّ قضية الصحابة الكرام رضي الله عنهم من علامات قوة الإيمان بالله تعالى ومحبته، ومحبة رسوله الكريم ﷺ، إذ تمثّل الحلقة المفصلية التي انتقل عبرها الوحي من عالم التنزيل إلى واقع الأمة. فالصحابة رضوان الله عليهم، هم الجيل الذي عاصر النبي المصطفى ﷺ، وتلقّى القرآن غضّاً طريّاً، وشهد تطبيقه العملي في حياة رسول الله ﷺ، ثم قام بنقله للأمة نقلاً جماعياً متواتراً، قولاً وعملاً وسلوكاً. ومن ثمّ، فإن أيّ مساس بعدالتهم أو نزاهتهم لا يُعدّ مسألة تاريخية محايدة، وإنما هو طعنٌ مباشر في مصادر الإسلام نفسها.
وقد تنبّه علماء الأمة مبكراً إلى خطورة هذا المسلك، فقرّروا أن الطعن في الصحابة رضوان الله عليهم هو في حقيقته طعن في الدين، لأنهم الواسطة التي نقلت القرآن والسنة. ولهذا شدّد أئمة السلف على أن الطعن في الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ليس من أبواب البحث العلمي أو المعرفة، بل من أبواب الانحراف الفكري وضعف الإيمان بالله، والجهل بحقيقة تاريخهم ودورهم الروحي والإنساني العظيم، إذا خرج عن ميزان العدل والإنصاف (ابن تيمية، مجموع الفتاوى).
وفي الفترة المعاصرة، عادت هذه القضية إلى الواجهة تحت عناوين متعددة، مثل “نقد التراث” أو “إعادة قراءة التاريخ”، غير أن كثيراً من هذه القراءات تنطلق من مناهج مادية أو أيديولوجية تُسقط السياق الإيماني، وتتجاهل الخصوصية الشرعية للجيل الأول. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تأصيل علمي رصين، يعيد ضبط هذه المسألة ضمن إطارها العقدي الصحيح، مستنداً إلى القرآن والسنة وإجماع الأمة.
أولًا: منزلة الصحابة (رضوان الله عليهم) في القرآن الكريم والاصطفاء الإلهي
قرّر القرآن الكريم منزلة الصحابة رضوان الله عليهم تقريراً واضحاً، وأثبت لهم فضل السبق والاصطفاء، وربط ذلك برضا الله تعالى عنهم، وهو أعلى درجات التزكية الشرعية. قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (التوبة: 100). (الصلابي، السيرة النبوية).
وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية تتضمن تعديلاً عاماً للصحابة رضوان الله عليهم، وأن رضا الله عنهم حكمٌ مطلق غير مقيَّد بزمن أو حال لاحق (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن).
كما وصفهم الله تعالى بأنهم النموذج الأخلاقي المتوازن للأمة، فقال: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: 29). ووصفهم بالإيثار والتجرد من حظوظ النفس، فقال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: 9).
وهذا الثناء القرآني المتكرر يدل دلالة قطعية على أن الصحابة ليسوا محلّ مراجعة أخلاقية لاحقة، وإنما هم معيار الفهم الصحيح للدين، ومنطَلَق الهداية للأجيال اللاحقة.
