في زمن الفتن لماذا نحتاج إلى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين؟

الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مؤسسة علمية إسلامية دولية مستقلة، تضم كوكبة من علماء الشريعة والفكر من مختلف أقطار العالم الإسلامي، وتنهض برسالة ترشيد الخطاب الديني، وتعزيز حضور العلماء في قضايا الأمة المصيرية، والدفاع عن القيم الكبرى للإسلام، وفي مقدمتها العدل والحرية وكرامة الإنسان.

كما يؤكد الاتحاد، في منهجه ومواقفه، استقلالية الفتوى ورفض توظيف الدين أداة لتبرير الظلم أو إضفاء الشرعية على الاستبداد، وقد برز منذ تأسيسه بوصفه منصة علمية جامعة، تسعى إلى تحقيق التوازن الدقيق بين فقه النص وفقه الواقع في زمن التحولات العاصفة والفتن المتلاحقة.

لم تكن الفتن في تاريخ الأمم مجرد وقائع عابرة أو طوارئ مرحلية، بل كانت دائما لحظات كاشفة، تسقط فيها الأقنعة، وتتعرى فيها المواقف، ويختبر فيها صدق الانتماء إلى القيم قبل الشعارات، وإلى المبادئ قبل المصالح.

غير أن ما يميز زمننا الراهن أن الفتنة لم تعد محصورة في ميدان بعينه، بل تمددت في السياسة والدين والإعلام والهوية، حتى غدت حالة شاملة تضغط على وعي الفرد، وتربك مسار الجماعة، وتهز استقرار الدولة.

وفي هذا الزمن الملبد بالاضطراب، حيث تتشابك المصالح مع الخطاب الديني، وتتحول الفتوى أحيانا من أداة هداية إلى وسيلة صراع، ينهض سؤال مركزي لا يمكن القفز عليه:

من يتكلم باسم القيم حين تختنق الحقيقة؟

ومن يصون للدين معناه الأخلاقي حين يستعمل لتبرير الظلم أو صناعة الكراهية؟

هنا تتجلى الحاجة الملحة إلى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بوصفه إطارا علميا وأخلاقيا يسعى إلى حماية دور العلماء، وصيانة الدين من التوظيف السياسي، وتقديم خطاب جامع في زمن الانقسام والالتباس.

الفتنة بوصفها أزمة وعي، فالفتنة، في جوهرها العميق، ليست مجرد صدام سياسي أو اضطراب أمني، بل هي قبل ذلك أزمة وعي، واختلال في المعايير، واختلاط في المفاهيم، حيث يلتبس الحق بالباطل، ويلبس الصمت ثوب الحكمة، ويقدم التبرير على أنه فقه، وتختزل القيم في حسابات السلامة والخوف.

الفتنة في جوهرها ليست مجرد صدام دموي أو نزاع سياسي عابر، بل هي قبل ذلك كله أزمة وعي عميقة.

إنها اللحظة التي تختلط فيها المفاهيم، فيلبس الباطل ثوب الحق، ويقدم الصمت على أنه حكمة، والتبرير على أنه فقه، والخضوع على أنه مصلحة عامة.

وفي مثل هذه اللحظات الملتبسة، لا يكمن الخطر الحقيقي في اضطراب الواقع فحسب، بل في انكسار البوصلة الأخلاقية التي تهدي الضمير وتضبط الاتجاه.

لقد عرف العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة موجات متلاحقة من الفتن، تجلت في انقلابات سياسية، وحروب أهلية، وصراعات مذهبية، واستبداد متجذر، وتدخلات خارجية سافرة. غير أن العامل الحاسم في كثير من هذه المحطات لم يكن السلاح وحده، بل كان تشويه الوعي الديني، وإقصاء العلماء المستقلين، وصعود خطاب ديني مسيس، يُسّخر حينا لتبرير السلطة، وحينا لتغذية الفوضى.

أحمد شوقي عفيفي
+ posts

أخبار ذات صلة

ماليزيا تؤسس جامعة القرآن الكريم المتخصصة في الدراسات القرآنية

أعلنت ولاية باهانغ في ماليزيا، بموافقة سلطانها عبد الله رعایت

فتوى حول نصاب الزكاة بالفضة

فتوى حول نصاب الزكاة بالفضة كتبه: أ.د. علي محيي الدين

لجنة الاجتهاد والفتوى … إصدار منهجية جديدة للفتاوى والقرارات

بسم الله الرحمن الرحيم القرار رقم (1) لعام 1445 ه

إعلان